|
سورة المائدة
مدنية وآياتها عشرون ومائة آية
بين يدي السورة
* سورة المائدة من السورة المدنية الطويلة ، وقد تناولت كسائر السور المدنية جانب التشريع بإسهاب ، مثل سورة البقرة ، والنساء ، والأنفال ، إلى جانب موضوع العقيدة ، وقصص أهل الكتاب ، قال أبو ميسرة : المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، ليس فيها منسوخ وفيها ثمان عشرة فريضة.
* نزلت هذه السورة منصرف رسول الله (ص) من الحديبية ، وجماعها يتناول الأحكام الشرعية ، لأن الدولة الإسلامية كانت في بداية تكوينها ، وهي بحاجة إلى (المنهج الرباني) الذي يعصمها من الزلل ، ويرسم لها طريق البناء والاستقرار.
* أما الأحكام التى تناولتها السورة فنلخصها فيما يلي : (أحكام العقود ، الذبائح ، الصيد ، الإحرام ، نكاح الكتابيات ، الردة ، أحكام الطهارة ، حد السرقة ، حد البغي ، والإفساد في الأرض ، أحكام الخمر والميسر ، كفارة اليمين ، قتل الصيد في الإحرام ، الوصية عند الموت ، البحيرة والسائبة ، الحكم على من ترك العمل بشريعة الله) إلى آخر ما هنالك من الأحكام التشريعية.
* وإلى جانب التشريع قص تعالى علينا في هذه السورة ، بعض القصص للعظة والعبرة ، فذكر قصة بني إسرائيل مع موسى ، وهى قصة ترمز إلى التمرد والطغيان ، ممثلة في هذه الشرذمة الباغية من " اليهود " حين قالوا لرسولهم [ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ] وما حصل لهم من التشرد والضياع ، إذ وقعوا في أرض التيه أربعين سنة [ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.. ]
* ثم قصة ابني آدم وهي قصة ترمز إلى الصراع العنيف بين قوتي الخير والشر ، ممثلة في قصة (قابيل وهابيل) حيث قتل قابيل أخاه هابيل ، وكانت أول جريمة نكراء تحدث في الأرض ، أريق فيها الدم البريء الطاهر ، والقصة تعرض لنموذجين من نماذج البشرية : نموذج النفس الشريرة الأثيمة ، ونموذج النفس الخيرة الكريمة [ فسولت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ] .
* كما ذكرت السورة قصة " المائدة " التي كانت معجزة لعيسى ابن مريم ظهرت على يديه أمام الحواريين ، والسورة الكريمة تعرض أيضا لمناقشة " اليهود والنصارى " في عقائدهم الزائفة ، حيث نسبوا إلى الله ما لا يليق من الذرية والبنين ، ونقضوا العهود والمواثيق ، وحرفوا التوراة والإنجيل ، وكفروا برسالة محمد عليه السلام ، إلى آخر ما هنالك من ضلالات وأباطيل ، وقد ختمت السورة الكريمة بالموقف الرهيب يوم الحشر الأكبر حيث يدعى السيد المسيح " عيسى ابن مريم " على رءوس الأشهاد ، ويسأله ربه تبكيتاً للنصارى الذين عبدوه من دون الله [ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ] ويا له من موقف مخز لأعداء الله ، تشيب لهوله الرءوس ، وتتفطر من فزعه النفوس!!.
فضلها :
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : " أنزلت على رسول الله (ص) سورة المائدة وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها " .
التسمية :
سميت سورة " المائدة " لورود ذكر المائدة فيها ، حيث طلب الحواريون من عيسى عليه السلام ، آية تدل على صدق نبوته ، وتكون لهم عيداً وقصتها أعجب ما ذكر فيها ، لاشتمالها على آيات كثيرة ، ولطف عظيم من الله العلي الكبير.
التفسير
قال الله تعالى : [ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.. إلى .. أولئك أصحاب الجحيم ] من آية (1) إلى نهاية آية (10).
اللغة :
[ العقود ] أصل العقد في اللغة : الربط تقول عقدت الحبل بالحبل ، ثم استعير للمعاني ، قال الزمخشري : العقد العهد الموثق ، شبه بعقد الحبل ، قال الحطيئة :
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
[ بهيمة الأنعام ] البهيمة ما لا نطق له لما في صوته من الإبهام ، والأنعام جمع نعم وهي (الإبل ، والبقر ، والغنم)
[ القلائد ] جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من لحاء الشجر ، ليعلم أنه هدي
[ يجرمنكم ] يكسبنكم يقال : جرم ذنبا أي كسبه ، وأجرم اكتسب الإثم
[ شنآن ] الشنآن : البغض
[ الموقوذة ] الوقذ : ضرب الشيء حتى يسترخي ، ويشرف على الموت
[ النصب ] صنم وحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده ، وجمعه أنصاب كذا في اللسان
[ الأزلام ] القداح جمع زلم كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة ضرب بالقداح وهو الاستقسام بالأزلام
[ مخمصة ] مجاعة لأن البطون فيها تخمص أي تضمر ، والخمص : ضمور البطن
[ الجوارح ] الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب ، والفهد ، والصقر ، والشاهين ، سميت جوارح لأنها تجرح صيدها.
سبب النزول :
عن ابن عباس أن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ، ويعظمون الشعائر ، وينحرون ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنزلت [ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله.. ] .
التفسير :
[ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ] الخطاب بلفظ الإيمان الكريم والتعظيم أي يا معشر المؤمنين أوفوا بالعقود ، وهو لفظ يشمل كل عقد وعهد بين الإنسان وربه ، وبين الإنسان والإنسان ، قال ابن عباس : العقود العهود وهي ما أحل الله وما حرم ، وما فرض في القرآن كله من التكاليف والأحكام (هذا القول اختاره الطبري والزمخشري ، والأرجح العموم فهو أمر بالوفاء بكل عقد وهو اختيار صاحب البحر وجمع من المفسرين قال ابن أسلم هي ستة : " عهد الله ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح ، وعقد اليمين " )
[ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ] أي أبيح لكم أكل الأنعام وهي " الإبل والبقر والغنم " بعد ذبحها ، إلا ما حرم عليكم في هذه السورة ، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير إلخ
[ غير محلي الصيد أنتم حرم ] أي أحلت لكم هذه الأشياء ، من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون
[ إن الله يحكم ما يريد ] أي يقضي في خلقه بما يشاء ، لأنه الحكيم في أمره ونهيه
[ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ] أي لا تستحلوا حرمات الله ، ولا تتعدوا حدوده ، قال الحسن : يعني شرائعه التى حدها لعباده ، وقال ابن عباس : ما حرم عليكم في حال الإحرام
[ ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ] أي ولا تستحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه ، ولا ما أهدي إلى الكعبة ، أو قلد بقلادة ليعرف أنه هدى بالتعرض له ولأصحابه
[ ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ] أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام ، لحج أو عمرة ، نهى تعالى عن الإغارة عليهم ، أو صدهم عن البيت كما كان أهل الجاهلية يفعلون
[ وإذا حللتم فاصطادوا ] أي إذا تحللتم من الإحرام فقد أبيح لكم الصيد
[ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ] أي لا يحملنكم بغض قوم كانوا قد صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم
[ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ] أي تعاونوا على فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وافعلوا كل ما يقربكم إلى الله تعالى
[ واتقوا الله إن الله شديد العقاب ] أي خافوا عقابه ، فإنه تعالى شديد العقاب لمن عصاه
[ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ] أي حرم عليكم أيها المؤمنون أكل الميتة ، وهي ما مات حتف أنفه ، من غير ذكاة ، والدم المسفوح ولحم الخنزير ، قال الزمخشري : كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات : البهيمة التى تموت حتف أنفها ، والفصيد وهو الدم في الأمعاء يشوونه ويقولون لم يحرم من فزد – أي فصد – له وإنما ذكر (لحم الخنزير) ليبين أنه حرام بعينه حتى ولو ذبح بالطريق الشرعي
[ وما أهل لغير الله به ] أي ما ذكر عليه غير اسم الله ، أو ذبح لغير الله ، كقولهم : باسم اللات والعزى
[ والمنخنقة ] هي التي تخنق بحبل وشبهه
[ والموقوذة ] هي المضروبة بعصا أو حجر
[ والمتردية ] هي التي تسقط من جبل ونحوه
[ والنطيحة ] هي التى نطحتها بهيمة أخرى فماتت بالنطح
[ وما أكل السبع ] أي أكل بعضه السبع فمات
[ إلا ما ذكيتم ] أي إلا ما أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء ، فذبحتموه الذبح الشرعي قبل الموت ، قال الطبري معناه : إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا للمذبوح.
[ وما ذبح على النصب ] أي وما ذبح على الأحجار المنصوبة ، قال قتادة : النصب حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ، ويذبحون لها ، فنهى الله عن ذلك ، قال بعض المفسرين : كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها ، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها ، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع
[ وأن تستقسموا بالأزلام ] أي وحرم عليكم الاستسقام بالأزلام أي طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر ، بواسطة ضرب القداح ، قال المفسرون : كان أحدهم إذا أراد سفرا ، أو غزوا ، أو تجارة ، أو نكاحا ، أو أمرا من معاظم الأمور ضرب بالقداح ، وهي مكتوب علي بعضها ، نهاني ربي ، وعلى بعضها أمرني ربي ، وبعضها غفل ، فإن خرج الآمر مضى لغرضه ، وإن خرج الناهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاد
[ ذلكم فسق ] أي تعاطيه فسق وخروج عن طاعة الله ، لأنه دخول في علم الغيب ، الذى استأثر الله به علام الغيوب
[ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ] أي انقطع طمع الكافرين منكم ، ويئسوا أن ترجعوا عن دينكم ، قال ابن عباس : يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبدا
[ فلا تخشوهم واخشون ] أي لا تخافوا المشركين ولا تهابوهم ، وخافون أنصركم عليهم وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة
[ اليوم أكملت لكم دينكم ] أي أكملت لكم الشريعة ، ببيان الحلال فيها والحرام
[ وأتممت عليكم نعمتي ] بالهداية والتوفيق إلى أقوم طريق
[ ورضيت لكم الإسلام دينا ] أي اخترت لكم الإسلام دينا من بين الأديان ، وهو الدين المرضي الذي لا يقبل الله دينا سواه ، كما قال سبحانه : [ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ]
[ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ] أي فمن ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من المحرمات المذكورة ، في مجاعة حال كونه غير مائل إلى الإثم ، ولا متعمد لذلك ، فإن الله لا يؤاخذه بأكله ، لأن الضرورات تبيح المحظورات
[ يسألونك ماذا أحل لهم ] أي يسألونك يا محمد ما الذي أحل لهم من المطاعم والمآكل ؟
[ قل أحل لكم الطيبات ] أي قل لهم أبيح لكم المستلذات ، وما ليس منها بخبيث ، وحرم كل مستقذر كالخنافس والفئران وأشباهها
[ وما علمتم من الجوارح ] أي وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح ، وهي الكلاب ونحوها مما يصطاد به
[ مكلبين ] أي معلمين للكلاب الاصطياد ، قال الزمخشري : المكلب : مؤدب الجوارح ورائضها ، واشتقاقه من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب
[ تعلمونهن مما علمكم الله ] أي تعلمونهن طرق الاصطياد وكيفية تحصيل الصيد ، وهذا جزء مما علمه الله للإنسان
[ فكلوا مما أمسكن عليكم ] أي فكلوا مما أمسكن لكم من الصيد إذا لم تأكل منه ، فإن أكلت فلا يحل أكله لحديث ( إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل ، وإذا أكل فلا تأكل ، فإنما أمسكه على نفسه ) وعلامة المعلم أن يسترسل إذا أرسل ، وينزجر إذا زجر ، وإن يمسك الصيد فلا يأكل منه ، وأن يذكر اسم الله عند إرساله ، فهذه أربع شروط لصحة الأكل من صيد " الكلب المعلم "
[ واذكروا اسم الله عليه ] أي عند إرساله
[ واتقوا الله إن الله سريع الحساب ] أي راقبوا الله في أعمالكم فإنه سريع المجازاة للعباد
[ اليوم أحل لكم الطيبات ] أي أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها
[ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ] أي وذبائح اليهود والنصارى حلال لكم
[ وطعامكم حل لهم ] أي ذبائحكم حلال لهم ، فلا حرج أن تطعموهم وتبيعوه لهم
[ والمحصنات من المؤمنات ] أي وأبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات
[ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ] أي وزواج الحرائر من الكتابيات (يهوديات أو نصرانيات) وهذا رأي الجمهور ، وقال عطاء : قد أكثر الله المسلمات ، وإنما رخص لهم يومئذ
[ إذا آتيتموهن أجورهن ] أي إذا دفعتم لهن مهورهن
[ محصنين غير مسافحين ] أي حال كونكم أعفاء بالنكاح ، غير مجاهرين بالزنى
[ ولا متخذي أخدان ] أي وغير متخذين عشيقات وصديقات تزنون بهن سرا ، قال الطبري : المعنى : ولا منفردا ببغية قد خادنها وخادنته ، واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها
[ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ] أي ومن يرتد عن الدين ويكفر بشرائع الإيمان ، فقد بطل عمله وهو من الهالكين.. ثم أمر تعالى بإسباغ الوضوء عند الصلاة فقال سبحانه :
[ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون
[ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ] أي اغسلوا الوجوه والأيدى مع المرافق
[ وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ] أي امسحوا رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين أي معهما ، قال الزمخشري : وفائدة المجيء بالغاية [ إلى الكعبين ] لدفع ظن من يحسبها ممسوحة ، لأن المسح لم تضرب له غاية فى الشريعة ، وفي الحديث " ويل للأعقاب من النار " ((تفسير الكشاف والحديث فى الصحيحين ، ولفظه عن عبد الله بن عمرو قال : تخلف عنا رسول الله (ص) في سفرة سافرناها ، فادركنا ونحن نتوضأ لصلاة العصر ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : " أسبغوا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار " )) وهذا الحديث يرد على الإمامية الذين يقولون بأن الرجلين فرضهما المسح لا الغسل ، والآية صريحة لأنها جاءت بالنصب [ وأرجلكم ] فهي معطوفة على المغسول ، وجيء بالمسح بين المغسولات لإفادة الترتيب
[ وإن كنتم جنبا فاطهروا ] أي إن كنتم في حالة جنابة ، فتطهروا بغسل جميع البدن
[ وإن كنتم مرضى أو على سفر ] أي إن كنتم مرضى ويضركم الماء ، أو كنتم مسافرين ولم تجدوا الماء
[ أو جاء أحد منكم من الغائط ] أي أتى من مكان البراز.
[ أو لامستم النساء ] أي جامعتموهن
[ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ] أي ولم تجدوا الماء بعد طلبه فاقصدوا التراب الطاهر للتيمم به
[ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ] أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالتراب بضربتين ، كما وضحت السنة النبوية
[ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ] أي ما يريد تعالى بما فرض عليكم من الوضوء ، والغسل والتيمم ، تضييقا عليكم
[ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ] أي يحب أن يطهركم من الذنوب وأدناس الخطايا ، بالوضوء والتيمم ، وليتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإسلام ، ولتشكروه على نعمه التي لا تحصى
[ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ] الخطاب للمؤمنين ، والنعمة هنا : الإسلام ، وما صاروا إليه من اجتماع الكلمة والعزة ، أي اذكروا يا أيها المؤمنون نعمة الله العظمى عليكم بالإسلام ، وعهده الذي عاهدكم عليه رسوله ، حين بايعتموه على السمع والطاعة في العسر واليسر ، والمنشط والمكره
[ واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ] أي خافوا عقابه ، فإنه عالم بخفايا نفوسكم فيجازيكم عليها
[ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ] أي كونوا مبالغين في الاستقامة بشهادتكم لله ، وصيغة " قوام " للمبالغة
[ شهداء بالقسط ] أي تشهدون بالعدل
[ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ] أي لا يحملنكم شدة بغضكم للأعداء ، على ترك العدل فيهم ، والاعتداء عليهم
[ اعدلوا هو أقرب للتقوى ] أي العدل مع من تبغضونهم أقرب لتقواكم لله
[ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ] أي مطلع على أعمالكم ومجازيكم عليها قال الزمخشري : وفي هذا تنبيه عظيم على أن العدل إذا كان واجبا مع الكفار الذين هم أعداء الله ، وكان بهذه الصفة من القوة ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه ؟!
[ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ] أي وعد الله المؤمنين المطيعين لله
[ لهم مغفرة وأجر عظيم ] أي لهم في الآخرة مغفرة للذنوب ، وثواب عظيم وهو الجنة
[ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ] لما ذكر مآل المؤمنين المتقين وعاقبتهم ، ذكر مآل الكافرين المجرمين ، وأنهم فى دركات الجحيم دائمون في العذاب ، قال أبو حيان : وقد جاءت الجملة فعلية بالنسبة للمؤمنين ، متضمنة الوعد بالماضي ، الذي هو الدليل على الوقوع ، وفي الكافرين جاءت الجملة اسمية دالة على ثبوت هذا الحكم لهم ، وأنهم أصحاب النار ، فهم دائمون في عذاب الجحيم.
البلاغة :
1- [ لا تحلوا شعائر الله ] في الآية استعارة لطيفة ، استعار (الشعيرة) وهي العلامة ، للمتعبدات والأحكام ، التى تعبد الله بها العباد ، من الحلال والحرام.
2- [ ولا القلائد ] أي ذوات القلائد وهي من باب عطف الخاص على العام لأنها أشرف الهدي كقوله [ من كان عدوا لله وملائكته وجبريل وميكال ] .
3- [ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ] فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة ، فقد قابل بين البر والإثم ، وبين التقوى والعدوان.
4- [ وطعام الذين أوتوا الكتاب ] أطلق العام وأراد به الخاص وهو الذبائح أي ذبائحهم ، وأما بقية الأطعمة في حلال مع جميع الكفار.
5- [ محصنين غير مسافحين ] بينهما طباق لأن معنى محصنين أي إعفاء ومسافحين أي زناة ، فجمع بين الشيء وضده ، وهو من المحسنات البديعية.
6- [ إذا قمتم إلى الصلاة ] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فعبر عن إرادة الفعل بالفعل ، وأقام المسبب مقام السبب لملابسة بينهما ، وفي الآية إيجاز بالحذف أيضا أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون.
الفوائد :
الأولى : يحكى أن أصحاب الكندي- الفيلسوف المشهور – قال له أصحابه – أيها الحكيم إعمل لنا مثل هذا القرآن!! فقال : نعم أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة ، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ، ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في مجلدات.
الثانية : جرت سنة الجاهلية عن مبدأ العصبية العمياء الذي عبر عنه الشاعر الجاهلي بقوله :
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وأن ترشد غزية أرشد
وجاء الإسلام بهذا المبدأ الإنساني الكريم [ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ] وشتان بين المبدأين.
الثالث : روي أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرأونها لو علينا معشر اليهود نزلت ، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا! قال : أي آية تعني ؟ قال :
[ اليوم أكملت لكم دينكم ] الآية فقال عمر : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله (ص) فيه ، والساعة التي نزلت فيها ، نزلت على رسول الله (ص) عشية عرفة في يوم جمعة.
قال الله تعالى : [ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم.. إلى .. فلا تأس على القوم الفاسقين ] من آية (11) إلى نهاية آية (26).
المناسبة :
لما ذكر تعالى ما شرعه لعباده المؤمنين من الأحكام ، ومن أعظمها بيان الحلال والحرام ، ذكر هنا نعمته عليهم بالهداية إلى الإسلام ، ثم أعقبه ببيان نعمته تعالى على أهل الكتاب ، ولكنهم نقضوا العهد ، فألزمهم الله العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، ثم دعا الفريقين إلى الاهتداء بنور القرآن ، والتمسك بشريعة خاتم المرسلين ، وترك ما هم عليه من ضلالات وأوهام.
اللغة :
[ نقيبا ] النقيب : كبير القوم الذي يبحث عن أحوالهم ومصالحهم ، فهو كالكفيل عن الجماعة
[ وعزرتموهم ] التعزير : التعظيم والتوقير
[ سواء السبيل ] قصد الطريق ووسطه
[ قاسية ] صلبة لا تعي خيرا ، والقاسية والعاتية بمعنى واحد
[ خائنة ] خيانة ، ويجوزأن يكون صفة للخائن ، كما يقال : رجل طاغية ، ورواية للحديث
[ فأغرينا ] هيجنا وألزمنا ، مأخوذ من الغراء ، وغري بالشيء إذا لصق به
[ فترة ] انقطاع
[ يتيهون ] التيه : الحيرة والضياع.
سبب النزول :
أراد يهود بني النضير أن يلقوا على رأس رسول الله (ص) الرحى ، وأن يغدروا به وبأصحابه ، فأنزل الله : [ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم.. ] الآية.
التفسير :
[ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ] أي تذكروا فضل الله عليكم ، بحفظه إياكم من أعدائكم
[ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ] أي يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك
[ فكف أيديهم عنكم ] أي عصمكم من شرهم ، ورد أذاهم عنكم
[ واتقوا الله ] بامتثال أوامره واجتناب نواهيه
[ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ] أي فليثق المؤمنون بالله ، فإنه كافيهم وناصرهم.. ثم ذكر تعالى أحوال اليهود وما تنطوي عليه نفوسهم من الخيانة ونقض الميثاق ، فقال :
[ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ] أي عهدهم المؤكد باليمين
[ وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا ] أي وأمرنا موسى بأن يأخذ اثنى عشر نقيبا – والنقيب كبير القوم القائم بأمورهم – من كل سبط نقيب ، يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم ، قال المفسرون : لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون ، أمرهم الله تعالى بالسير إلى " أريحاء " بأرض الشام ، كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة ، وقال لهم : إنى كتبتها لكم دارا وقرارا ، فجاهدوا من فيها فإني ناصركم ، وأمر موسى بأن يأخذ من كل سبط نقيبا ، فاختار النقباء وسار بهم ، فلما دنا من أرض كنعنان بعثهم يتجسسون الأخبار ، فرأوا قوما أجسامهم عظيمة ، ولهم قوة وشوكة ، فهابوهم ورجعوا وحدثوا قومهم ، وكان موسى قد نهاهم أن يتحدثوا بما يرون ، فنكثوا الميثاق وتحدثوا إلا اثنين منهم ، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة
[ وقال الله إنى معكم ] أي ناصركم ومعينكم
[ لئن أقمت الصلاة وآتيتم الزكاة ] اللام للقسم أي وأقسم لكم يا بني إسرائيل ، لئن أديتم ما فرضت عليكم ، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
[ وآمنتم برسلي وعزرتموهم ] أي وصدقتم برسلي ونصرتموهم ، ومنعتموهم من الأعداء
[ وأقرضتم الله قرضا حسنا ] أي بالإنفاق في سبيل الخير ابتغاء مرضاة الله
[ لأكفرن عنكم سيئاتكم ] أي لأمحون عنكم ذنوبكم ، وهذا جواب القسم ، قال البيضاوي : وقد سد مسد جواب الشرط
[ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ] أي تجري من تحت غرفها وقصورها أنهار الجنة
[ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ] أي من كفر بعد ذلك الميثاق ، فقد أخطأ الطريق السوي ، وضل ضلالا لا شبهة فيه
[ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ] أي بسبب نقضهم الميثاق طردناهم من رحمتنا
[ وجعلنا قلوبهم قاسية ] أي جافة جافية لا تلين لقبول الإيمان
[ يحرفون الكلم عن مواضعه ] قال ابن كثير : تأولوا كتابه – التوراة – على غير ما أنزله ، وحملوه على غير مراده ، وقالوا على الله ما لم يقل ، ولا جرم أعظم من الاجتراء على تغيير كلام الله عز وجل
[ ونسوا حظا مما ذكروا به ] أي تركوا نصيبا وافيا مما أمروا به في التوراة
[ ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم ] أي لا تزال يا محمد تظهر على خيانة منهم ، بنقض العهود ، وتدبير المكايد ، فالغدر والخيانة عادتهم وعادة أسلافهم ، إلا قليلا منهم ممن أسلم
[ فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ] أي لا تعاقبهم واصفح عمن أساء منهم ، وهذا منسوخ بآية السيف والجزية كما قال الجمهور
[ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ] أي ومن الذين ادعوا أنهم أنصار الله ، وسموا أنفسهم بذلك ، أخذنا منهم أيضا الميثاق ، على توحيد الله والإيمان بمحمد رسول الله
[ فنسوا حظا مما ذكروا به ] أي فتركوا ما أمروا به في الإنجيل ، من الإيمان بالأنبياء ، ونقضوا الميثاق
[ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ] أي ألزمنا وألصقنا بين فرق النصارى العداوة والبغضاء إلى قيام الساعة ، قال ابن كثير : ولا يزالون متباغضين متعادين ، يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ، وكل فرقة تمنع الأخرى دخول معبدها.. وهكذا نجد الأمم الغربية – وهم أبناء دين واحد – يتفنن بعضهم في إهلاك بعض ، فمن مخترع للقنبلة الذرية الى مخترع للقنبلة الهيدروجينية ، وهي مواد مدمرة ، لا يمكن أن يتصور العقل ما تحدثه من تلف بالغ ، وهلاك شامل! ؟ فالله يهلكهم بأموالهم وأيديهم [ إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ] ثم قال تعالى :
[ وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ] تهديد لهم ، أي سيلقون جزاء عملهم القبيح
[ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ] الخطاب لليهود والنصارى ، أي يا معشر أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا محمد (ص) بالدين الحق ، يبين لكم الكثير مما كنتم تكتمونه في كتابكم من الإيمان به ، ومن آية الرجم ، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة ، وغير ذلك مما كنتم تخفونه
[ ويعفو عن كثير ] أي يتركه ولا يبينه ، وإنما يبين لكم ما فيه حجة على نبوته ، وشهادة على صدقه ، ولو ذكر كل شيء لفضحكم. قال في التسهيل : وفي الآية دليل على صحة نبوته ، لأنه بين ما أخفوه في كتبهم ، وهو أمي لم يقرأ كتبهم
[ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ] أي جاءكم نور هو القرآن ، لأنه مزيل لظلمات الشرك والشك ، وهو كتاب مبين ظاهر الإعجاز
[ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ] أي يهدي بالقرآن من اتبع رضا الرحمن ، ويوضح لهم طرق النجاة والسلامة
[ ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ] أي يخرجهم من ظلمات الكفر ، إلى نور الإيمان بتوفيقه وإرادته
[ ويهديهم إلى صراط مستقيم ] هو دين الإسلام.. ثم ذكر تعالى إفراط النصارى في شأن عيسى ، حتى اعتقدوا ألوهيته ، فقال سبحانه :
[ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ] أي جعلوه إلها وهم فرقة من النصارى ، زعموا أن الله حل في عيسى ، ولهذا نجد في كتبهم " وجاء الرب يسوع " وأمثاله ، ويسوع عندهم هو عيسى ((قال أبو حيان : " ذكر سبحانه أن من النصارى من قال إن المسيح هو (الله) ، ومنهم من قال هو (ابن الله) ، ومنهم من قال هو (ثالث ثلاثة) ، ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من تستر بالاسلام ظاهرا وانتمى إلى الصوفية حلول الله في الصور الجميلة ، ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول ب " الاتحاد والوحدة " كالحلاج والصفار وابن اللباج وأمثالهم وانما ذكرتهم نصحا لدين الله " وقد أولع جهلة من ينتمي إلى التصوف بتعظيم هولاء وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياؤه " انتهى من البحر المحيط ))
[ قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ] أي قل لهم يا أيها الرسول : لقد كذبتم فمن الذين يستطيع أن يدفع عذاب الله من أهل الأرض ، لو أراد أن يهلك المسيح وأمه وأهل الأرض جميعاً ؟ فعيسى عبد مقهور ، معرض للفناء كسائر المخلوقات ، ومن كان بهذه الصفة فهو بمعزل عن الألوهية ، ولو كان إلها لقدر على تخليص نفسه من الموت
[ ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ] أي من الخلق والعجائب
[ يخلق ما يشاء ] أي هو قادر على أن يخلق ما يريد ، ولذلك خلق عيسى من غير أب
[ والله على كل شيء قدير ] أي لا يعجزه شيء ، ثم حكى عن اليهود والنصارى افتراءهم فقال سبحانه :
[ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ] أي نحن من الله بمنزلة الأبناء من الآباء ، ونحن أحباؤه لأننا شعبه المختار ، قال ابن كثير : أي نحن منتسبون إلى أنبيائه ، وهم بنوه ، وله بهم عناية خاصة وهو يحبنا
[ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ] ؟ أي لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وافترائكم ؟
[ بل أنتم بشر ممن خلق ] أي أنتم بشر كسائر الناس ، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده
[ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ] أي يغفر لمن شاء من عباده ويعذب من شاء ، لا اعتراض لحكمه ولا راد لأمره
[ ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير ] أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ، وإليه المرجع والمآب.. ثم دعاهم إلى الإيمان بخاتم المرسلين فقال سبحانه :
[ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ] أي يا معشر اليهود والنصارى لقد جاءكم محمد (ص) يوضح لكم شرائع الدين ، على انقطاع من الرسل ، ودروس من الدين ، وكانت الفترة بين " عيسى " و " محمد " مدتها خمسمائة وستون سنة ، لم يبعث فيها رسول
[ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ] أي لئلا تحتجوا وتقولوا : ما جاءنا من رسول يبشرنا وينذرنا!!
[ فقد جاءكم بشير ونذير ] هو محمد (ص)
[ والله على كل شيء قدير ] قال ابن جرير : أي قادر على عقاب من عصاه ، وثواب من أطاعه.. ثم ذكر تعالى ما عليه اليهود من العناد والجحود فقال سبحانه :
[ وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم ] أي اذكر يا أيها الرسول حين قال موسى لبني إسرائيل : يا قوم تذكروا نعمة الله العظمى عليكم ، واشكروه عليها
[ إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا ] أي حين بعث فيكم الأنبياء ، يرشدونكم إلى معالم الدين ، وجعلكم تعيشون كالملوك ، لا يغلبكم غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون ، مقهورين فأنقذكم منه بإغراقه ، قال البيضاوي : لم يبعث في أمة كما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء
[ وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ] أي من أنواع الإنعام والإكرام ، من فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ونحوها
[ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ] قال البيضاوي : هي أرض بيت المقدس ، سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ومعنى [ التي كتب الله لكم ] أي التي وعدكموها على لسان أبيكم إسرائيل ، وقضى أن تكون لكم
[ ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ] أي ولا ترجعوا مدبرين خوفا من الجبابرة ، قال في التسهيل : روي أنه لما أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة ، خافوا من الجبارين الذين فيها ، وهموا أن يرجعوا إلى مصر
[ قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ] أي عظام الأجسام ، طوال القامة ، لا قدرة لنا على قتالهم وهم " العمالقة " من بقايا عاد
[ وإنا لم ندخلها حتى يخرجوا منها ] أي لن ندخلها حتى يسلموها لنا من غير قتال
[ فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ] أي لا يمكننا الدخول ما داموا فيها ، فإن خرجوا منها دخلناها
[ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ] أي فلما جبنوا حرضهم رجلان من النقباء ، ممن يخاف أمر الله ، ويخشى عقابه ، وفيهما الصلاح واليقين ، قائلين :
[ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموهم فإنكم غالبون ] أي قالا لهم : لا يهولنكم عظم أجسامهم ، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة ، فإذا دخلتم عليهم باب المدينة ، غلبتموهم بإذن الله
[ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ] أي اعتمدوا على الله ، فإنه ناصركم إن كنتم حقا مؤمنين
[ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ] وهذا إفراط منهم في العصيان ، مع سوء الأدب ، بعبارة تفضي إلى الكفر والاستهانة بالله ورسوله ، وأين هؤلاء من الصحابة الأبرار ، الذين قالوا لرسول الله (ص) : لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ، ولكن نقول لك : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ؟ !
[ قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ] أي قال موسى حينذاك ، معتذرا إلى الله متبرءا من مقالة السفهاء : يا رب لا أملك قومي ، لا أملك إلا نفسي وأخي هارون ، فافصل بيننا وبين الخارجين عن طاعتك بحكمك العادل
[ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ] استجاب الله دعاءه ، وعاقبهم في التيه أربعين سنة ، والمعني : قال الله لموسى : إن الأرض المقدسة محرم عليهم دخولها مدة أربعين سنة يسيرون متحيرين في الأرض ، ولا يهتدون إلى الخروج منها
[ فلا تأس على القوم الفاسقين ] أي لا تحزن عليهم فإنهم فاسقون مستحقون للعقاب ، قال في التسهيل : روي أنهم كانوا يسيرون الليل كله ، فإذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي كانوا فيه.
البلاغة :
1- [ أن يبسطوا إليكم أيديهم ] بسط الأيدي كناية عن البطش والفتك ، وكف الأيدى كناية عن المنع والحبس ، فهو من الكنايات اللطيفة.
2- [ وبعثنا منهم ] فيه التفات عن الغيبة إلى المتكلم ، ومقتضى الظاهر وبعث منهم ، وإنما التفت اعتناء بشأنه.
3- [ ويخرجهم من الظلمات إلى النور ] فيه استعارة ، حيث استعار الظلمات للكفر ، والنور للإيمان ، وهو من لطيف أنواع الاستعارة.
4- [ وجعلكم ملوكاً ] فيه تشبيه بليغ أي كالملوك في رغد العيش وراحة البال ، فحذف أداة الشبه ووجه الشبه ، فلا سمي بالتشبيه البليغ.
5- الطباق بين [ يغفر .. ويعذب ] .
6- [ أنعم الله عليهما ] جملة اعتراضية لبيان فضل الله على عباده الصالحين.
الفوائد :
الأولى : إنما سميت الأرض " المقدسة " أي المطهرة ، لسكنى الأنبياء المطهرين فيها ، فشرفت وطهرت بهم ، فالظرف طاب بالمظروف.
الثانية : قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ فسكت ولم يرد عليه ، فتلا عليه الصوفي هذه الآية [ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ] ففي الآية دليل على أن المحب لا يعذب حبيبه ، ذكره الحافظ ابن كثير.
قال الله تعالى : [ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق.. إلى .. ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير ] من آية (27) إلى نهاية آية (40).
المناسبة :
لما ذكر تعالى تمرد بني إسرائيل ، وعصيانهم لأمر الله ، في قتال الجبارين ، ذكر قصة ابني آدم ، وعصيان " قابيل " أمر الله ، وإقدامه على قتل النفس البريئة التى حرمها الله ، فاليهود اقتفوا في العصيان ، شأن أول عاص لله في الأرض ، فطبيعة الشر فيهم مستقاة من ولد آدم الأول ، فاشتبهت القصتان من حيث التمرد والطغيان ، ثم ذكر تعالى عقوبة قطاع الطريق والسراق ، الخارجين على أمن الدولة ، والمفسدين في الأرض بأنواع البغي والفساد.
اللغة :
[ قربانا ] القربان ما يتقرب به إلى الله
[ تبوء ] ترجع يقال : باء إذا رجع إلى المباءة وهي المنزل
[ فطوعت ] سولت وسهلت ، يقال : طاع الشيء إذا سهل وانقاد ، وطوعه له أي سهله
[ يبحث ] يفتش وينقب
[ سوأة ] السوأة : العورة
[ يا ويلتا ] كلمة تحسر وتلهف ، قال سيبويه : كلمة تقال عند الهلكة
[ ينفوا ] نفاه : طرده ، وأصله الإهلاك ومنه النفاية لرديء المتاع
[ خزي ] الخزي : الفضحية والذل ، يقال : أخزاه الله أي فضحه وأذله
[ الوسيلة ] كل ما يتوسل به إلى الله من عمل صالح
[ نكالا ] عقوبة.
سبب النزول :
عن أنس أن رهطاً من عرينة قدموا على رسول الله (ص) فاجتووا المدينة – استوخموها – فبعثهم رسول الله (ص) إلى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلما صحوا قتلوا راعي النبي (ص) واستاقوا النعم ، فأرسل رسول الله (ص) في آثارهم ، فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة حتى ماتوا ، فنزلت [ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله.. ] الأية.
التفسير :
[ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ] أي اقرأ يا أيها الرسول على هؤلاء الحسدة من اليهود وأشباههم ، خبر " قابيل وهابيل " ابني آدم ، بالحق والصدق ،
[ إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ] أي حين قرب كل منهما قربانا ، فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل ، قال المفسرون : سبب هذا القربان ، أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى ، وكان يزوج الذكر من هذا البطن ، بالأنثى من البطن الآخر ، فلما أراد آدم أن يزوج قابيل أخت هابيل ، ويزوج هابيل أخت قابيل ، رضي هابيل وأبى قابيل ، لأن توأمته كانت أجمل ، فقال لهما آدم : قربا قربانا فمن أيكما تقبل تزوجها ، وكان " قابيل " صاحب زرع فقرب أرذل زرعه ، وكان " هابيل " صاحب غنم فقرب أحسن كبش عنده ، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته ، فازداد قابيل حسدا وسخطا عليه وتوعده بالقتل
[ قال لأقتلنك ] أي قال قابيل لأخيه هابيل لأقتلنك قال : لم ؟ قال : لأنه تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني ، قال : وما ذنبي ؟
[ قال إنما يتقبل الله من المتقين ] أي إنما يتقبل ممن اتقى ربه وأخلص نيته ، قال البيضاوي : توعده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل ، قربانه ، فأجابه بأنك أتيت من قبل نفسك ، بترك التقوى لا من قبلي ، وفيه إشارة إلى أن الطاعة لا تقبل ، إلا من مؤمن متق الله
[ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ] أي لئن مددت إلي يدك ظلماً لأجل قتلي ، ما كنت لأقابلك بالمثل ، قال ابن عباس : أي ما أنا بمنتصر لنفسي
[ إني أخاف الله رب العالمين ] أي لا أمد يدي إليك لأني أخاف رب العالمين ، قال الزمخشري : كان هابيل أقوى من القاتل ، ولكنه تحرج عن قتل أخيه ، خوفا من الله تعالى
[ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ] أي إن قتلتني فذاك أحب إلي من أن أقتلك ، قال أبو حيان : المعنى إن سبق بذلك قدر ، فاختياري أن أكون مظلوما ، ينتصر الله لي ، لا ظالما وقال ابن عباس : المعنى لا أبدؤك بالقتل لترجع بإثم قتلي إن قتلتني ، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ، فتصير من أهل النار
[ وذلك جزاء الظالمين ] أي عقاب من تعدى وعصى الله
[ فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ] أي زينت له نفسه وسهلت له قتل أخيه ، فقتله فخسر وشقي ، قال ابن عباس : خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر
[ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه ] أي أرسل الله غرابا يحفر بمنقاره ورجله الأرض ، ليري القاتل كيف يستر جسد أخيه ، قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا ، حتى قتل أحدهما صاحبه ، ثم حفر له فدفنه ، وكان هابيل أول من قتل ، ولما قتله تركه بالعراء ، ولم يدر كيف يدفنه ، حتى رأى الغراب يدفن صاحبه ، فلما رآه قال
[ قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي ] أي قال قابيل متحسرا : يا ويلي ويا هلاكى ، أضعفت أن أكون مثل هذا الطير ، فأستر جسد أخي في التراب ، كما فعل هذا الغراب ؟
[ فأصبح من النادمين ] أي صار نادما على عدم الاهتداء إلى دفن أخيه ، لا عل قتله ، قال ابن عباس : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة له
[ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ] أي من أجل حادثة " قابيل وهابيل " وبسبب قتله لأخيه ظلما ، فرضنا وحكمنا على بني إسرائيل ، أن من قتل منهم نفسا ظلما ، بغير أن يقتل نفسا فيستحق القصاص ، وبغير فساد يوجب إهدار الدم ، كالردة وقطع الطريق
[ فكأنما قتل الناس جميعا ] أي فكأنه قتل جميع الناس ، قال البيضاوي : من حيث إنه هتك حرمة الدماء وسن القتال ، وجرأ الناس عليه ، والمقصود منه تعظيم قتل النفس في القلوب ، ترهيبا عن التعرض لها ، وترغيبا في المحاماة عليها
[ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ] أي ومن تسبب لبقاء حياتها واستنقذها من الهلكة فكأنه أحيا جميع الناس ، قال ابن عباس : من قتل نفسا واحدة حرمها الله ، فهو مثل من قتل الناس جميعا ، ومن امتنع عن قتل نفس حرمها الله وصان حرمتها خوفا من الله ، فهو كمن أحيا الناس جميعا
[ ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ] أي جاءتهم رسلنا بالمعجزات الساطعات ، والآيات الواضحات
[ ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ] أي ثم إنهم بعد تلك الزواجر كلها يسرفون في القتل ، ولا يبالون بعظمته ، قال ابن كثير : هذا تقريع وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها ، وقال الرازي : إن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة ، أقدموا على قتل الأنبياء والرسل ، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ، ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى ، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول (ص) لأنهم عزموا على الفتك به وبأصحابه ، كان تخصيص بني إسرائيل بهذه المبالغة العظيمة مناسبا للكلام ، ومؤكدا للمقصود.. ثم ذكر تعالى عقوبة قطاع الطريق فقال
[ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ] أي يحاربون شريعة الله ، ودينه وأولياءه ويحاربون رسوله
[ ويسعون في الأرض فسادا ] أي يفسدون في الأرض بالمعاصي وسفك الدماء
[ أن يقتلوا ] أي يقتلوا جزاء بغيهم
[ أو يصلبوا ] أي يقتلوا ويصلبوا زجرا لغيرهم ، والصيغة للتكثير
[ أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ] معناه أن تقطع يده اليمنى ، ورجله اليسرى
[ أو ينفوا من الأرض ] أي يطردوا ويبعدوا من بلد إلى بلد آخر ((قال الشافعي : النفي يكون من بلد إلى بلد ، لا يزال يطلب وهو هارب فزعا ، وقال أبو حنيفة : النفي : السجن ، واختار ابن جرير أن المراد بالنفي ههنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه))
[ ذلك لهم خزي في الدنيا ] أي ذلك الجزاء المذكور ، ذل لهم وفضيحة في الدنيا
[ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ] هو عذاب النار ، ودلت الآية على أن الإمام بالخيار إن شاء قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدى والأرجل ، وإن شاء نفي وهو مذهب مالك. وقال ابن عباس : لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب ، فمن قتل قتل ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف ، ومن أخاف فقط نفي من الأرض ، وهذا قول الجمهور ،
[ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ] أى لكن الذين تابوا من المحاربين وقطاع الطريق ، قبل القدرة على أخذهم وعقوبتهم
[ فأعلموا ان الله غفور رحيم ] أى هو سبحانه واسع المغفرة والرحمة ، لمن تاب وأناب ، يقبل توبته ويغفر زلته . . ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى والعمل الصالح فقال سبحانه
[ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة ] أى خافوا عقابه ، واطلبوا ما يقربكم إليه ، من طاعته وعبادته ، قال قتادة : تقربوا اليه بطاعته والعمل ثما يرضيه
[ وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ] أى جاهدوا لإعلاء دينه ، لتفوزوا بنعيم الأبد
[ إن الذين كفروا لو ان لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ] أى لو كان لكل كافر جميع ما في الأرض ، من خيرات وأموال ومثله معه
[ ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ] أى وأراد ان يفتدي بها نفسه من عذاب الله ، ما نفعه ذلك ، وله عذاب مؤلم موجع
[ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ] أى دائم لا ينقطع ، وفي الحديث الشريف (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم فيقال له : قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك ؟ ألا تشرك بي فأبيت ، فيؤمر به إلى النار). . ثم ذكر تعالى عقوبة السارق فقال
[ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ] أى كل من سرق ، رجلا كان أو امرأة فاقطعوا يده
[ جزاء بما كسبا ] أى مجازاة لهما على فعلهما القبيح
[ نكالا من الله ] أى عقوبة من الله
[ والله عزيز حكيم ] أى حكيم قي شرعه ، فلا يأمر بقطع اليد ظلما
[ فمن تاب من بعد ظلمه ] أى رجع عن السرقة
[ وأصلح ] أى أصلح سيرته وعمله
[ فإن الله يتوب عليه ] أى يقبل توبته فلا يعذبه في الاخرة
[ إن الله غفور رحيم ] أى مبالغ في المغفرة والرحمة . . ثم نبه تعالى على واسع ملكه ، وأنه لا معقب لحكمه فقال سبحانه
[ ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ] أى ألم تعلم أيها المخاطب ان الله تعالى له السلطان القاهر ، والملك الباهر ، وبيده ملكوت السموات والأرض ؟ والاستفهام للتقرير
[ يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير ] أى يعذب من يشاء تعذيبه ، ويغفر لمن يشاء غفران ذنبه ، وهو القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! !
البلاغة :
1 - الطباق بين كلمة [ قتل . . وأحيا ] وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين [ يعذب . . ويغفر ] .
2 - [ يحاربون الله ] هو على حذف مضاف أى يحاربون أولياء الله لأن الله لا يحارب ولا يغالب .
3 - الاستعارة [ ومن أحياها ] لأن المراد استبقاها ولم يتعرض لقتلها ، وإحياء النفس بعد موتها لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
4 - [ لو ان لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به ] قال الزمخشري : هذا تمثيل للزوم العذاب لهم ، وانه لا سبيل لهم الى النجاة منه بوجه من الوجوه .
5 - طباق السلب [ لئن بسطت . . ما أنا بباسط يدى ] .
الفوائد :
الأولى : النفي من الأرض كما يكون بالطرد والإبعاد يكون بالحبس ، ولهذا قال مالك رحمه الله : النفى : السجن ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها ، قال الشاعر وهو في السجن يرثى لحاله : خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها فلسنا من الاحيا ولسنا من الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجتن عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا.
الثانية : السر في تقديم السارق على السارقة هنا ، وتقديم الزانية على الزاني في قوله [ الزانية والزاني فاجلدوا ] ان الرجل على السرقة أجرأ ، والزنى من المرأة أشنع وأقبح ، فناسب تقديم ذكر كل منهما في المقام .
الثالثة : قال الاصمعي : قرأت يوما هذه الآية [ والسارق والسارقة ] والى جنبي أعرابي فقلت [ والله غفور رحيم ] سهوا فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله قال : ليس هذا بكلام الله ، أعد فأعدت وتنبهت فقلت [ والله عزيز حكيم ] فقال : نعم هذا كلام الله ، فقلت : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين علمت اني أخطات ؟ فقال يا هذا : عز فحكم فقطع ، ولو غفر ورحم لما قطع .
الرابعة : أعترض بعض الملحدين على الشريعة الغراء ، في قطع يد السارق بالقليل من المال ، ونظم ذلك شعرا فقال :
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار ؟
تحكم ما لنا الا السكوت له وان نعوذ بمولانا من النار
فأجابه بعض الفضلاء بقوله :
عز الامانة اغلاها وارخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
أى لما كانت أمينة كانت ثمينة ، فلما خانت هانت ، ويا له من قول سديد ، وحكمة بليغة! !
" كلمة وجيزة حول قطع يد السارق "
يعيب بعض الغربين على الشريعة الاسلامية قطع يد السارق ، ويزعمون ان هذه العقوبة صارمة ، لا تليق ثمجتمع متحضر ، ويقولون : يكفي في عقوبته السجن ردعا له ، وكان من أثر هذه الفلسفة التي لا تستند على منطق سليم ، أن زادت الجرائم وكثرت العصابات ، وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطاع الطريق الذين يهددون الأمن والإستقرار ، يسرق السارق وهو أمن مطمئن لا يخشى شيئا ، اللهم إلا ذلك السجن الذي ياوى اليه المجرم ، وهو له ضيافة كالفندق ، يطعم ويكسى فيه ، فيقضي مدة العقوبة التي فرضها عليه القانون الوضعى ، لم يخرج منه وهو إلى الاجرام أميل ، وعلى الشر أقدر ، يؤكد هذا ما نقرؤه ونسمعه عن تعدد الجرائم وزيادتها يوما بعد يوم ، وذلك لقصور العقل البشري عن الوصول الى الدواء الناجع ، والشفاء النافع ، لمعالجة مثل هذه الأمراض الخطيرة ، أما الاسلام فقد استطاع ان يقتلع الشر من جذوره ، ويد واحدة تقطع ، كافية لردع المجرمين ، فيا له من تشريع حكيم !
قال الله تعالى : [ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر. . إلى . . ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ] من آية (41) الى نهآية آية (50) .
المناسبة :
لما ذكر تعالى قصة ابني آدم ، وذكر أحكام الحرابة والسرقة ، أعقبه بذكر أمر المنافقين ، وأمر رسوله (ص) ألا يحزن لما يناله من أذى ، من أعداء الانسانية ، من اليهود وغيرهم ، فالله سيعصمه من شرهم ، وينجيه من مكرهم .
اللغة :
[ يحزنك ] الحزن والحزن خلاف السرور
[ السحت ] : الحرام سمي بذلك لأنه يسحت الطاعات أى يذهبها ويستاصلها ، وأصل السحت : الهلاك ، قال تعالى : [ فيسحتكم بعذاب ] أى يستأصلكم ويهلككم
[ الأحبار ] جمع حبر وهو العالم مأخوذ من التحبير وهو التحسين
[ وقفينا ] أتبعنا
[ مهيمنا ] المهيمن : الرقيب على الشيء الحافظ له ، من هيمن عليه أى راقبه وياتي ثمعنى العالي والمرتفع على الشيء
[ شرعة ] الشرعة : السنة والطريقة يقال : شرع لهم أى سن لهم
[ منهاجا ] المنهاج : الطريق الواضح ) .
سبب النزول :
عن البراء بن عازب قال : مر على النبي (ص) بيهودي محمما مجلودا فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : لا ، ولولا انك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجده الرجم ، ولكنه كثر فى أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم ت فقال رسول الله (ص) : اللهم إني أول من أحيا امرك إذ اماتوه ، فأمر به فرجم فأنزل الله [ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ] إلى قوله [ إن اوتيتم هذا فخذوه ] يقولون : إئتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه ، وان افتاكم بالرجم فاحذروا .
التفسير :
[ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ] الخطاب للرسول (ص) على وجه التسلية أى لا تتأثر يا محمد ولا تحزن لصنيع الذين يتسابقون نحو الكفر ، ويقعون فيه بسرعة
[ من الذين قالوا آمنوا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم ] أى من المنافقين الذين لم يجاوز الايمان أفواههم ، يقولون بألسنتهم آمنا وقلوبهم كافرة
[ ومن الذين هادوا ] أى ومن اليهود
[ سماعون للكذب ] أى هم مبالغون في سماع الأكاذيب والأباطيل ، وفي قبول ما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه
[ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ] أى مبالغون في قبول كلام قوم آخرين ، لم يحضروا مجلسك تكبرا وافراطا في العداوة والبغضاء ، وهم (يهود خيبر) ، والسماعون للكذب (بنو قريظة)
[ يحرفون الكلم من بعد مواضعه ] أى يزيلونه ويميلونه عن مواضعه ، بعد أن وضعه الله تعالى فيها ، والمراد تحريف أحكام الله وتغييرها بأحكام أخرى . قال ابن عباس : هي حدود الله في التوراة غيروا الرجم بالجلد والتحميم - يعني تسويد الوجه -
[ يقولون إن أوتيتم هذا فخدوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ] أى إن امركم محمد بالجلد فاقبلوا ، وان أمركم بالرجم فلا تقبلوا ، قال تعالى ردا عليهم
[ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ] أى ومن يرد الله كفره وضلاله ، فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه
[ اولئك الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم ] أى خذلهم الله ، فلم يطهر قلوبهم من رجس الكفر ، وخبث الضلالة ، لقبح صنيعهم وسوء اختيارهم
[ لهم في الدنيا خزي ] أى ذل وفضيحة
[ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ] هو الخلود في نار جهنم ، قال ابو حيان : والآية جاءت تسلية للرسول (ص) وتخفيفا عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر وقطعا لرجائه من فلاحهم
[ سماعون للكذب ] أى الباطل كرره تأكيدا وتفخيما
[ أكالون للسحت ] أى الحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك
[ فإن جاءوك فاحكم بينهم او اعرض عنهم ] أي إن تحاكموا اليك يا محمد فيما شجر بينهم من الخصومات ، فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وبين أن تعرض عنهم ، قال ابن كثير : أى إن جاءوك يتحاكمون اليك فلا عليك ألا تحكم بينهم لإنهم لا يقصدون بتحاكمهم اليك اتباع الحق ، بل ما يوافق اهواءهم
[ وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ] أى لان الله عاصمك وحافظك من الناس
[ وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين ] أى فأحكم بينهم بالعدل والحق ، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ، لأن الله يحب العادلين . . ثم قال تعالى منكرا عليهم
مخالفتهم لاحكام التوراة
[ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ] أى كيف يحكمك يا محمد هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك ، وعندهم التوراة فيها حكم الله يرونه ولا يعملون به ؟ قالى الرازي : هذا
تعجيب من الله تعالى لنبيه (ص) بتحكيم اليهود اياه بعد علمهم ثما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم ، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا ، الى ما يعتقدونه باطلا ، طلبا للرخصة فظهر بذلك جهلهم وعنادهم
[ ثم يتولون من بعد ذلك ] أى يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم ، بعد ان وضح لهم الحق وبان
[ وما اولئك بالمؤمنين ] أى ليسوا ثمؤمنين ، لإنهم لا يؤمنون بكتابهم (التوراة) لإعراضهم عنه وعن حكمك الموافق لما فيه ، قال في التسهيل : وهذا الزام لهم لأن من خالف كتاب الله وبدله فدعواه
الإيمان باطلة . . ثم مدح تعالى التوراة بأنها نور وضياء فقال :
[ إنا انزلنا التوراة فيها هدى ونور ] اي انزلنا التوراة على موسى فيها بيان واضح ونور ساطع ، يكشف ما اشتبه من الاحكام
[ يحكم بها النبيون الذين اسلموا ] أى يحكم بالتوراة انبياء بني اسرانيل ، الذين انقادوا لحكم الله
[ للذين هادوا ] أى يحكمون بالتوراة لليهود ، لا يخرجون عن حكمها ، ولا يبدلونها ولا يحرفونها
[ والربانيون والأحبار ] أى العلماء منهم والفقهاء
[ بما استحفظوا من كتاب الله ] أى بسبب أمر الله اياهم بحفظ كتابه ، من التحريف والتضييع
[ وكانوا عليه شهداء ] أى رقباء لئلا يبدل ويغير
[ فلا تخشوا الناس واخشون ] أى لا تخافوا يا علماء اليهود الناس ، في إظهار ما عندكم من نعت محمد (ص) والرجم ، بل خافوا مني في كتمان ذلك
[ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ] أى ولا تستبدلوا بآياتي حطام الدنيا الفاني ، من الرشوة والجاه ، والعرض الخسيس
[ ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون ] أى من لم يحكم بشرع الله فقد كفر ، وقال الزمخشري : ومن لم يحكم ثما انزل الله ، مستهينا به فاولئك هم (الكافرون ) و(الظالمون ) و(الفاسقون ) ، وهو وصف لهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهزاء والاستهانة ، وتمردوا بأن حكموا بغيرها قال ابو حيان : والآية وإن كان الظاهر من سياقها أن الخطاب فيها لليهود ، إلا انها عامة في اليهود وغيرهم . . وكل آية وردت في الكفار تجر بذيلها على عصاه المؤمنين
[ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ] أى فرضنا على اليهود في التوراة ان النفس تقتل بالنفس
[ والعين بالعين ] أى تفقأ بالعين اذا فقئت بدون حق
[ والأنف بالأنف ] أي يجدع بالانف اذا قطع ظلما
[ والأذن بالأذن ] أى تقطع بالأذن
[ والسن بالسن ] أى يقلع بالسن
[ والجروح قصاص ] أى يقتص من جانيها بأن يفعل به مثل ما فعله بالمجنى عليه ، وهذا في الجراح التي يمكن فيها المماثلة ، ولا يخاف على النفس منها
[ فمن تصدق به فهو كفارة له ] قال ابن عباس : أى فمن عفا عن الجاني وتصدق عليه ، فهو كفارة للمطلوب واجر للطالب وقال الطبري : من تصدق من اصحاب الحق وعفا فهو كفارة له أى للمتصدق ، ويكفر الله ذنوبه لعفوه واسقاطه حقه
[ ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون ] أى المبالغون في الظلم لمخالفة شرع الله
[ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ] أى اتبعنا على آثار النبيين بعيسى ابن مريم ، وارسلناه عقيبهم مصدقا لما تقدمه من التوراة
[ واتيناه الانجيل فيه هدى ونور ] أى أنزلنا عليه الإنجيل فيه هدى الى الحق ، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات
[ ومصدقا لما بين يديه من التوراة ] أى معترفا بأنها من عند الله ، والتكرير لزيادة التقرير
[ وهدى وموعظة للمتقين ] أى وهاديا وواعظا للمتقين
[ وليحكم أهل الانجيل بما انزل الله فيه ] اي وأتينا عيسى ابن مريم (الإنجيل ) وأمرناه واتباعه بالحكم به
[ ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون ] أى المتمردون الخارجون عن الايمان وطاعة الله
[ وانزلنا اليك الكتاب بالحق ] أى وانزلنا اليك يا محمد القرآن بالعدل ، والصدق الذي لا ريب فيه
[ مصدقا لما بين يديه من الكتاب ] أى مصدقا للكتب السماوية التي سبقته
[ ومهيمنا عليه ] أى مؤتمنا عليه وحاكما على ما قبله من الكتب ، قال الزمخشري : أى رقيبا على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات قال ابن كثير : اسم المهيمن يتضمن ذلك فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله ، جمع الله فيه محاسن ما قبله ، وزاده من الكمالات ما ليس فى غيره
[ فأحكم بينهم بما انزل الله ] أى فأحكم يا محمد بين الناس ثما أنزل الله اليك في هذا الكتاب العظيم
[ ولا تتبع أهواءههم عما جاءك من الحق ] أى لا توافقهم على اغراضهم الفاسدة ، عادلا عما جاءك في هذا القرآن ، قال ابن كثير : أى لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به ، الى أهواء هولاء من الجهلة الاشقياء
[ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ] أى لكل أمة جعلنا شريعة وطريقا بينا واضحا خاصا بتلك الامة ، قال ابو حيان : لليهود شرعة ومنهاج ، وللنصارى كذلك والمراد منهج في الاحكام ، وأما المعتقد فواحد لجميع الناس ، توحيد وإيمان بالرسل وجميع الكتب ، وما تضمنته من المعاد والجزاء
[ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ] أى لو اراد الله لجمع الناس كلهم على دين واحد ، وشريعة واحدة ، لا ينسخ شيء منها الآخر
[ ولكن ليبلوكم فيما أتاكم ] أى شرع الشرائع مختلفة ليختبر العباد ، هل يذعنون لحكم الله ام يعرضون ، فخالف بين الشرائع لينظر المطيع من العاصي
[ فاستبقوا الخيرات ] أى فسارعوا الى ما هو خير لكم من طاعة الله وإتباع شرعه
[ الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ] أى معادكم ومصيركم أيها الناس الى الله يوم القيامة ، فيخبركم ثما اختلفتم فيه من أمر الدين ، ويجازيكم باعمالكم
[ وأن احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم ] اي احكم بين اهل الكتاب بهذا القرآن ، ولا تتبع أهواءهم الزائفة
[ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك ] أى احذر هؤلاء الأعداء أن يصرفوك عن شريعة الله ، فإنهم كذبة كفرة خونة
[ فإن تولوا فأعلم إنما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم ] أى فإن اعرضوا عن الحكم ثما انزل الله ، وارادوا غيره فأعلم يا محمد انما يريد الله ان يعاقبهم ببعض إجرامهم
[ وإن كثيرا من الناس لفاسقون ] أى اكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم ، مخالفون للحق منهمكون في المعاصي
[ افحكم الجاهلية يبغون ] الاستفهام للإنكار والتوبيخ ، والمعنى : أيتولون عن حكمك ويبتغون غير حكم الله وهو حكم الجاهلية ؟
[ ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون ] أى ومن أعدل من الله في حكمه ، واصدق في بيانه ، وأحكم في تشريعه ، لقوم يصدقون بالعلي الحكيم .
البلاغة :
1 - [ يا أيها الرسول ] الخطاب بلفظ الرسالة للتشريف والتعظيم .
2 - [ يسارعون في الكفر ] إيثار كلمة " في " على كلمة " إلى " للإيماء الى إنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه ، وانما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه الى بعض آخر .
3 - [ سماعون للكذب ] صيغة فعال للمبالغة أى مبالغون في سماع الكذب.
4 - [ لهم في الدنيا خزى ] تنكير الخزي للتفخيم وتكرير لهم [ ولهم في الآخرة ] لزيادة التقرير والتأكيد ، وبين كلمتي " الدنيا والآخرة " طباق .
5 - [ وكيف يحكمونك ] تعجيب من تحكيمهم لرسول الله (ص) وهم لا يؤمنون به ولا بكتابه
6 - [ وما اولئك بالمؤمنين ] الإشارة بالبعيد للإيذان ببعد درجتهم في العتو والمكابرة .
7 - [ فلا تخشوا الناس ] خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الإلتفات ، لفتا لأنظارهم للخوف من الله ، والأصل " فلا يخشوا " .
8 - [ فأستبقوا الخيرات ] أى بادروا الى فعل الخيرات ، وفيه استعارة لطيفة حيث شبههم بالمتسابقين على ظهور الخيل ، إذ كل واحد ينافس صاحبه في السبق ، لبلوغ الغآية المقصودة.
الفوائد :
قال الفخر الرازي : خاطب الله محمدا (ص) بقوله [ يا أيها النبي ] في مواضع كثيرة وما خاطبه بقوله [ يا أيها الرسول ] الا في موضعين احدهما [ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ] والثاني في هذه السورة ايضا وهو قوله [ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك ] وهذا الخطاب لا شك إنه خطاب تشريف وتعظيم .
تنبيه :
يقول شهيد الاسلام " سيد قطب طيب الله ثراه في تفسيره الظلال ما نصه " إن الجاهلية في ضوء هذا النص القرآني البليغ [ أفحكم الجاهلية يبغون ] هي حكم البشر للبشر ، وعبودية البشر للبشر ، ورفض ألوهية الله والخروج من عبوديته الى عبودية غير الله ، انه مفرق الطريق ، فإما حكم الله ، وإما حكم الجاهلية ، ولا وسط ولا بديل ، إما أن تنفذ شريعة الله في حياة الناس ، او ينفذ حكم الجاهلية وشريعة الهوى ومنهج العبودية لغير الله ، والجاهلية ليست فترة من الزمان ، ولكنها وضع من الاوضاع يوجد بالأمس واليوم وغدا ، والناس إما انهم يحكمون بشريعة الله ويقبلونها ويسلمون بها تسليما فهم اذا مسلمون ، وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر ، فهم في جاهلية جهلاء ، وهم خارجون عن شريعة الله
قال الله تعالى : [ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . الى . . وكثير منهم ساء ما يعملون ] هن آية (51) الى نهابة آية (66) .
المناسبة :
لما حكى تعالى عن أهل الكتاب أنهم تركوا العمل بالتوراة والإنجيل ، وحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق ، حذر تعالى في هذه الآيات من موالاة اليهود والنصارى ، ثم عدد جرائم اليهود ، وما اتهموا به الذات الإلهية المقدسة ، من شنيع الأقوال وقبيح الفعال .
اللغة :
[ دائرة ] واحدة الدوائر وهي صروف الدهر ونوازله قال الراجز : ترد عنك القدر المقدورا ودائرت الدهر أن تدورا
[ حبطت ] بطلت وذهبت
[ تنقمون ] تنكرون وتعيبون
[ السحت ] الحرام وقد تقدم
[ مغلولة ] مقبوضة ، والغل : القيد يوضع في اليد ، وهو كناية عن البخل ، وغله وضع القيد في يده
[ اطفاها ] الاطفاء : الاخماد حتى لا يبقى هناك أثر
[ مقتصدة ] أى عادلة غير متغالية ، من القصد وهو الاعتدال .
سبب النزول :
ا - عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد " و(سويد بن الحارث " قد أظهرا الاسلام ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله [ ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا . . . ] الآية .
ب - عن ابن عباس قال : جاء نفر من اليهود الى النبي ، فسالوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام ، فقال : اؤمن بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل الى قوله (ونحن له مسلمون ) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل ديني اقل حظا في الدنيا والاخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم فأنزل الله [ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ] الآية .
التفسير :
[ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ] نهى تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ، ينصرونهم ويستنصرون بهم ويصافونهم ويعاشرونهم معاشرة المؤمنين
[ بعضهم أولياء بعض ] أى هم يد واحدة على المسلمين ، لاتحادهم في الكفر والضلال ، وملة الكفر واحدة [ ومن يتولهم منكم فانه منهم ] أى من جملتهم وحكمه حكمهم ، قال الزمخشري : وهذا تغليظ من الله وتشديد في مجانبة المخالف في الدين واعتزاله ، كما قال (ص) : " لا تراءى نارهما "
[ ان الله لا يهدي القوم الظالمين ] أى لا يهديهم الى الايمان .
[ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ] أى في قلوبهم شك ونفاق كعبد الله بن أبى واصحابه ، يسارعون في موالاتهم ومعاونتهم
[ يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة ] أي يقولون معتذرين عن موالاة الكافرين : نخاف حوادث الدهر وشروره ان يظفر اليهود بالمسلمين ، فلا يتم الامر لمحمد! ! قال تعالى ردا على مزاعمهم الفاسدة
[ فعسى الله ان يأتى بالفتح ] يعني فتح مكة ((هذا قول السدي وقال ابن عباس : هو ظهور النبي (ص) والمسلمين على جميع الخلق بانتصاره عليهم )) وهذه بشارة للنبى (ص) والمؤمنين بوعده تعالى بالفتح والنصرة
[ أو أمر من عنده ] أى يهلكهم بأمر من عنده ، لا يكون فيه تسبب لمخلوق ، كإلقاء الرعب في قلوبهم كما فعل بنى النضير
[ فيصبحوا على ما اسروا في أنفسهم نادمين ] أى يصير المنافقون نادمين على ما كان منهم ، من موالاة أعداء الله من اليهود والنصارى
[ ويقول الذين آمنوا ] أى يقول المؤمنون تعجبا من حال المنافقين اذا هتك الله سترهم
[ أهؤلاء الذين اقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ] أى حلفوا لكم يا معشر اليهود بأغلظ الايمان ، انهم لمعكم بالنصرة والمعونة ، كما حكى تعالى عنهم قولهم [ وان قوتلتم لننصرنكم ]
[ حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ] أى بطلت أعمالهم بنفاقهم فصاروا خاسرين في الدنيا والاخرة
[ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ] خطاب على وجه التحذير والوعيد ، والمعنى : يا معشر المؤمنين من يرجع منكم عن دينه الحق ، ويبدله بدين آخر ، ويرجع عن الايمان الى الكفر ((في الآية إعلام بارتداد بعض المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه ، وقد ارتد عن الاسلام فرق كثيرة ، منهم من ارتد فى عهد رسول الله (ص) ومنهم في عهد أبي بكر ، وقد ارتد بنو حنيفة قوم " مسيلمة الكذاب " وكتب مسيلمة إلى رسول الله (ص) من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد : فان الارض نصفها لي ونصفها لك فأجابه عليه السلام : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد : فان الارض لله يورثهأ من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ))
[ فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ] أى فسوف يأتي الله مكانهم بأناس مؤمنين يحبهم الله ويحبون الله
[ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ] أى رحماء متواضعين للمؤمنين ، أشداء متعززين على الكافرين ، قال ابن كثير : وهذه صفات المؤمنين الكمل ، ان يكون أحدهم متواضعا لاخيه متعززا على عدوه كقوله تعالى : [ أشداء على الكفار رحماء بينهم ] ومن علامة حب الله تعالى للمؤمن ان يكون لين الجانب ، متواضعا لإخوانه المؤمنين ، متسربلا بالعزة حيال الكافرين والمناققين
[ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ] أى يجاهدون لإعلاء كلمة الله ، ولا يبالون بمن لامهم ، فهم صلاب قي دين الله لا يخافون في ذات الله أحدا
[ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ] أى من اتصف بهذه الاوصاف الحميدة فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له
[ والله واسع عليم ] أى واسع الافضال والاحسان ، عليم بمن يستحق ذلك . . ثم لما نهاهم تعالى عن موالاة الكفرة ذكر هنا من هم حقيقون بالموالاة فقال
[ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ] أى ليس اليهود والنصارى بأوليائكم ، إنما أولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون
[ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ] أى المؤمنون المتصفون بهذه الاوصاف الجليلة : من اقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وهم خاشعون متواضعون لله عز وجل ، قال في التسهيل : ذكر تعالى (الولى ) بلفظ المفرد [ وليكم ] إفرادا لله تعالى بهما ، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول ، والمؤمنين على سبيل التبع ، ولو قال " إنما أولياؤكم " لم يكن في الكلام أصل وتبع
[ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ] أى من يتول الله ورسوله والمؤمنين ، فإنه من حزب الله ، وهم الغالبون القاهرون لاعدائهم
[ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ] أى لا تتخذوا أعداء الدين الذين يسخرون من دينكم ويهزءون
[ من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ] أى من هؤلاء المستهزئين " اليهود والنصارى " وسائر الكفرة ، أولياء لكم تودونهم وتحبونهم وهم أعداء لكم ، فمن إتخذ دينكم سخرية ، لا يصح لكم ان تصادقوه أو توالوه ، بل يجب ان تبغضوه وتعادوه
[ واتقوا الله ان كنتم مؤمنين ] أى اتقوا الله في موالاة الكفار والفجار ، ان كنتم مؤمنين حقا . . ثم بين تعالى جانبا من استهزائهم فقال
[ وإذا ناديتم الى الصلاة إتخذوها هزوا ولعبا ] أى وإذا اذنتم الى الصلاة ودعوتم اليها ، سخروا منكم ومن صلاتكم ، قال في البحر : حسد اليهود الرسول (ص) حين سمعوا الآذان وقالوا : ابتدعت شيئا لم يكن للأنبياء ، فمن أين لك الصياح كصياح العير فما أقبحه من صوت ؟ فأنزل الله هذه الآية ((وقال ابو السعود عند هذه الاية : روي أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : " أشهد ان محمدا رسول الله يقول : أحرق الله الكاذب ، فدخل خادمه ذات ليلة بنار ، وأهله نيام فتطايرت منه شرارة في البيت فأحرقته وأهله جميعا " أبو السعود)) نبه تعالى على ان من إستهزأ بالصلاة ينبغى ان لا يتخذ وليا ، بل يهجر ويطرد ، وهذه الآية جاءت كالتوكيد للآية قبلها
[ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ] أى ذلك الفعل منهم بسبب إنهم فجرة ، لا يعقلون حكمة الصلاة ، ولايدركون غايتها في تطهير النفوس ، ونفى العقل عنهم ، لكونهم لم ينتفعوا به في أمر الدين ، وإن كان
لهم عقول يدركون بها مصالح الدنيا
[ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ] أى قل يا محمد : يا معشر اليهود والنصارى هل تعيبون علينا وتنكرون منا
[ الا ان آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ] أى إلا إيماننا بالله وبما جاء به رسول الله ؟ قال ابن كثير : أى هل لكم علينا مطعن او عيب الا هذا ؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة فيكون الإستثناء منقطعا
[ وان أكثركم فاسقون ] أى خارجون عن الطريق المستقيم
[ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ] أى هل أخبركم بما هو شر من هذا الذي تعيبونه علينا ؟
[ مثوبة عند الله ] أى ثوابا وجزاء ثابتا عند الله ، قال في التسهيل : ووضع (الثواب ) موضع العقاب تهكم بهم ، نحو قوله [ فبشرهم بعذاب اليم ]
[ من لعنه الله ] أى طرده من رحمته
[ وغضب عليه ] أى سخط عليه بكفره ، وانهماكه في المعاصي بعد وضوح الآيات
[ وجعل منهم القردة والخنازير ] أى ومسخ بعضهم قردة وخنازير
[ وعبد الطاغوت ] أى وجعل منهم من عبد الشيطان بطاعته
[ أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ] أى هؤلاء الملعونون ، الموصوفون بتلك القبائح والفضائح ، شر مكانا في الآخرة وأكثر ضلالا عن الطريق المستقيم ، قال ابن كثير والمعنى : يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله ، وإفراده بالعبادة دون ما سواه ، كيف يصدر منكم هذا ، وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر ؟ قال القرطبي : ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير ، فنكسوا رءوسهم افتضاحا ، وفيهم يقول الشاعر : فلعنة الله على اليهود إن اليهود إخوة القرود
[ وإذا جاءوكم قالوا آمنا ] الضمير يعود الى المنافقين من اليهود أى إذا جاءوكم أظهروا الاسلام
[ وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ] أى والحال قد دخلوا إليك كفارا وخرجوا كفارا ، لم ينتفعوا بما سمعوا منك يا محمد من العلم ، ولا نجعت فيهم المواعظ والزواجر
[ والله أعلم بما كانوا يكتمون ] أى من كفرهم ونفاقهم ، وفيه وعيد شديد لهم
[ وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ] أى وترى كثيرا من اليهود يسابقون فى المعاصى والظلم
[ وأكلهم السحت ] أى أكلهم الحرام
[ لبئس ما كانوا يعملون ] أى بئست أعمالهم القبيحة ، تلك الاخلاق الشنيعة
[ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ] أى هلا يزجرهم علماؤهم وأحبارهم
[ عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ] أى عن المعاصى والآثام وأكل الحرام
[ لبئس ما كانوا يصنعون ] أى بئس صنيعهم ذلك ، تركهم النهي عن ارتكاب محارم الله ، قال ابن عباس : ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية - يعني على العلماء - وقال ابو حيان : تضمنت هذه الآية توبيخ العلماء والعباد ، على سكوتهم عن النهى عن معاصي الله ، وأنشد ابن المبارك : وهك أفسد الدين الا الملو ك وأحبار سوء ورهبانها
[ وقالت اليهود يد الله مغلولة ] أى قال اليهود اللعناء : ان الله بخيل يقتر الرزق على العباد ، قال ابن عباس : مغلولة أى بخيلة امسك ما عنده بخلا ، ليس يعنون ان يد الله موثقة ، ولكنهم يقولون إنه بخيل
[ غلت أيدهم ] دعاء عليهم بالبخل المذموم والفقر والنكد
[ ولعنوا بما قالوا ] أى أبعدهم الله من رحمته ، بسبب تلك المقالة الشنيعة
[ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ] أى بل هو جواد كريم ، سابغ الإنعام ، يرزق ويعطي كما يشاء ، قال ابو السعود : وتضييق الرزق ليس لقصور في فيضه ، بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم ، وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي ان يضيق عليهم
[ وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا ] أى وليزيدنهم هذا القرآن الذي أنزل عليك يا محمد كفرا فوق كفرهم ، وطغيانا فوق طغيانهم ، إذ كلما نزلت آية كفروا بها ، فيزداد طغيانهم
وكفرهم ، كما ان الطعام للأصحاء يزيد المرضى مرضا ، قال الطبري : أعلم تعالى نبيه انهم اهل عتو وتمرد على ربهم ، وانهم لا يذعنون لحق ، وان علموا صحته ، ولكنهم يعاندونه ، يسلي بذلك نبيه (ص) في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إياه
[ وأغرينا بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة ] أى ألقينا بين اليهود العداوة والبغضاء فكلمتهم مختلفة ، وقلوبهم شتى ، لا يزالون متباغضين متعادين الى قيام الساعة
[ كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله ] أى كلما أرادوا اشعال حرب على رسول الله (ص) أطفاها الله
[ ويسعون في الأرض فسادا ] أى يجتهدون في الكيد للاسلام وأهله ، ويسعون لإثارة الفتن بين المسلمين ، قال ابن كثير : أى من سجيتهم انهم دائما يسعون في الافساد في الأرض
[ والله لا يحب المفسدين ] أى لا يحب من كانت هذه صفته
[ ولو ان أهل الكتاب آمنوا واتقوا ] أى لو ان اليهود والنصارى آمنوا بالله وبرسوله حق الايمان ، وأبقوا محارم الله فاجتنبوها
[ لكفرنا عنهم سيئاتهم ] أى محونا عنهم ذنوبهم التي اقترفوها
[ ولأدخلناهم جنات النعيم ] أى ولأدخلناهم مع ذلك في جنات النعيم
[ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل اليهم من ربهم ] أى ولو ائهم استقاموا على أمر الله ، وعملوا بما فى التوراة والانجيل ، وبما أنزل اليهم في هذا الكتاب الجليل ، الذي نزل على خاتم الرسل (ص)
[ لأكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم ] أى لوسع الله عليهم الأرزاق ، وأغدق عليهم الخيرات ، بإفاضة بركات السماء والأرض عليهم
[ منهم أمة مقتصدة ] أى منهم جماعة معتدلة مستقيمة ، غير غالية ولا مقصرة ، وهم الذين آمنوا بمحمد (ص) كعبد الله بن سلام ، والنجاشي ، وسلمان
[ وكثير منهم ساء ما يعملون ] أى وكثير منهم أشرار بنى ما يعملون من قبيح الاقوال ، وسوء الفعال !
البلاغة :
1 - [ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ] بين لفظ " أعزة " و " أذلة " طباق ، وهو من المحسنات البديعية ، وكذلك بين لفظ [ من فوقهم . . ومن تحت أرجلهم ] طباق ايضا .
2 - [ لومة لائم ] في تنكير (لومة) و(لائم ) مبالغة لا تخفى ، لان اللومة المرة الواحدة من اللوم ، فنكرت لافادة التقليل .
3 - [ ان كنتم مؤمنين ] هذا على سبيل التهييج .
4 - [ هل تنقمون منا إلا ان آمنا ] يسمى مثل هذا عند علماء البيان (تأكيد المدح بما يعبه الذم ) ، فقد جعلوا التمسك بالايمان سببا للإنكار والنقمة .
5 - [ مثوبة عند الله من لعنه الله ] هذا من باب (التهكم ) حيث استعملت المثوبة فى مكان العقوبة.
6 - [ شر مكانا ] نسب الشر للمكان وهو في الحقيقة لأهله ، وذلك مبالغة في الذم .
7 - [ يد الله مغلولة ] غل اليد كناية عن البخل ، وبسطها كناية عن الجود.
8 - [ أوقدوا نارا للحرب ] ايقاد النار في الحرب استعارة ، لان الحرب لا نار لها ، وانما شبهت بالنار ، لأنها تأكل أهلها كما تأكل النار حطبها .
9 - [ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ] استعارة ايضا عن كثرة النعم وتوسعة الرزق عليهم ، كما يقال : عمه الرزق من فرقه الى قدمه .
الفوائد :
الاولى : روي ان عمر بلغه ان كاتبا نصرانيا قد استعمله " ابو موسى الاشعري " فكتب الى أبى موسى : لا تكرموهم إذ أهانهم الله ، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله ، فقال له ابو موسى : لا قوام للبصرة إلا به ، فقال عمر : مات النصراني فماذا تفعل .
الثانية : قتل مسيلمة الكذاب في عهد أبى بكر على يد " وحشى " قاتل حمزة ، وكان يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية - يريد حمزة - وشر الناس في الاسلام - يريد مسيلمة الكذاب .
الثالثة : قال المفسرون : " عسى " من الله واجب ، لأن الكريم إذا أطمع في خيبر فعله ، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به.
الرابعة : قال البيضاوي فى قوله تعالى : [ لولا ينهاهم الربانيون ] فيها تحضيض لعلمائهم للنهى عن ذلك ، فإن [ لولا ] إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض .
قال الله تعالى : [ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك . . . الى . . ولكن كثيرا منهم فاسقون ] من آية (67) الى نهاية آية (81) .
المناسبة :
لما حذر تعالى المؤمنين من موالاة الكافرين ، وهذا يستدعي مناصبتهم العداء له ولاتباعه ، أمره تعالى في هذه الآيات بتبليغ الدعوة ، ووعده بالحفظ والنصرة ، ثم ذكر تعالى طرفا من عقائد أهل الكتاب الفاسدة ، وبخاصة النصارى الذين يعتقدون بألوهية عيسى وإنه ثالث ثلاثة ، ورد عليهم بالدليل القاطع والبرهان الساطع .
اللغة :
[ يعصمك ] العصمة : الحفط والحماية
[ طغيانا ] الطغيان : تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه
[ تأسى ] تحزن يقال : أسى يأسى ، والأسى : الحزن قال وانحلبت عيناه من فرط الأسى
[ خلت ] مضت
[ صذيقة ] الصديق : المبالغ في الصدق كما يقال رجل سكيت أى مبالغ في السكوت وسكير أى كثير السكر
[ يؤفكون ] يصرفون عن الحق يقال : أفكه إذا صرفه ومنه [ أجئتنا لتأفكنا ]
[ تغلو ] الغلو : التجاوز في الحد ، والتشدد في الأمر يقال : غلا في دينه غلوا تشدد فيه حتى جاوز الحد .
سبب النزول :
ا- عن ابن عباس عن النبي ، إنه قال : " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني ، فأنزل الله [ يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك ] الآية .
ب - وعن ابن عباس قال : جاء جماعة من اليهود الى النبي ، فقالوا : الست تقر أن التوراة حق من عند الله ؟ قالى : بلى ، فقالوا : فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها ، فأنزل الله [ قل يا أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والانجيل . . ] الآية .
التفسير :
[ يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ] هذا نداء تشريف وتعظيم ، ناداه تعالى بأشرف الأوصاف (بالرسالة الربانية) ، أى بلغ رسالة ربك غير مراقب أحدا ، ولا خائف أن ينالك مكروه
[ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ] قال ابن عباس : المعنى بلغ جميع ما أنزل اليك من ربك ، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته ، وهذا تأديب لحملة العلم من أمته ، ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته
[ والله يعصمك من الناس ] أى يمنعك من أن ينالوك بسوء ، قال الزمخشري : هذا وعد من الله بالحفظ والكلاءة ، والمعنى : والله يضمن لك العصمة من أعدائك ، فما عذرك في مراقبتهم ؟ روي أن رسول الله (ص) كان يحرس حتى نزلت الآية ، فأخرج رأسه من قبة آدم ، وقال : إنصرفوا ايها الناس فقد عصمني الله عز وجل
[ إن الله لا يهدي القوم الكافرين ] أى إنما عليك البلاغ والله هو الذي يهدي من يشاء ، فمن قضي له بالكفر لا يهتدي أبدا
[ قل يا اهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ] أى قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى : لستم على شيء من الدين أصلا ، حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل ، وتقيموا أحكامهما على الوجه الأكمل ، ومن إقامتهما الإيمان بمحمد (ص)
[ وما أنزل اليكم من ربكم ] قال ابن عباس : يعنى القرآن العظيم
[ وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا ] اللام للقسم أى واقسم بربك ليزيدن هذا القرآن المنزل عليك يا محمد ، الكثير منهم غلوا في التكذيب وجحودا لنبوتك واصرارا على الكفر والضلال
[ فلا تأس على القوم الكافرين ] أى لا تحزن عليهم ، فإن تكذيب الأنبياء عادتهم ودأبهم . . وهذه تسلية للنبي (ص) وليس بنهي عن الحزن ثم قال تعالى
[ إن الذين آمنوا ] أى صدقوا الله ورسوله وهم المسلمون
[ والذين هادوا ] وهم اليهود
[ والصابئون ] وهم طائفة من النصارى عبدوا الكواكب
[ والنصارى ] وهم أتباع عيسى
[ من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا ] أى من آمن من هؤلاء المذكورين ، إيمانا صحيحا خالصا ، لا يشوبه إرتياب بالله وباليوم الآخر ، وعمل صالحا يقربه من الله
[ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ] أى فلا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال يوم القيامة ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا بعد معاينتهم جزيل ثواب الله. قال ابن كثير : والمقصود ان كل فرقة آمنت بالله واليوم الآخر وعملت عملا صالحا - ولا يكون ذلك كذلك حتى يوافق الشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث الى جميع الثقلين - فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ، ولا هم يحزنون على ما تركوه وراء ظهورهم
[ لقد اخذنا ميثاق بني اسرائيل ] أى أخذنا من اليهود العهد المؤكد على الإيمان بالله ورسله ، قال في البحر : هذا إخبار بما صدر من أسلاف اليهود ، من نقد الميثاق الذي أخذه تعالى عليهم ، وما
اجترحوه من الجرائم العظام ، من تكذيب الأنبياء وقتل بعضهم ، وهؤلاء أخلاف اولئك ، فغير بدع ما يصدر منهم للرسول من الأذى والعصيان ، اذ ذاك شنشنة من اسلافهم ،
[ وأرسلنا اليهم رسلا ] اي أرسلنا لهم الرسل ، ليرشدوهم ويبينوا لهم أمر الدين
[ كلما جاءهم رسول بما لا تهوى انفسهم ] اي كلما جاءهم رسول من اولئك الرسل ، بما يخالف أهواءهم وشهواتهم
[ فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ] اي كذبوا طائفة من الرسل ، ويقتلون طائفة أخرى منهم ، قال البيضاوي : وانما جيء ب (يقتلون ) موضع " قتلوا " على حكاية الحالة الماضية ، استحضارا لها ، واستفظاعا للقتل ، وتنبيها على إن ذلك من دينهم ، ماضيا ومستقبلا ، ومحافظة على رءوس الآى
[ وحسبوا أن لا تكون فتنة ] أى وظن بنو اسرائيل ان لا يصيبهم بلاء وعذاب ، بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل ، اغترارا بإمهال الله عز وجل لهم
[ فعموا وصموا ] أي تمادوا في الغي والفساد فعموا عن الهدى ، وصموا عن سماع الحق ، وهذا على التشبيه بالأعمى والأصم ، لإنه لا يهتدي الى طريق الرشد في الدين ، لاعراضه عن النظر
[ ثم تاب الله عليهم ] قال القرطبي : في الكلام إضمار أى اوقعت بهم الفتنة فتابوا ، فتاب الله عليهم
[ ثم عموا وصموا كثير منهم ] أى عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق له
[ والله بصير بما يعملون ] أى عليم بما عملوا ، وهذا وعيد لهم وتهديد . . ثم ذكر تعالى عقائد النصارى الضالة في المسيح ، فقال سبحانه
[ لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم ] قال ابو السعود : هذا شروع في تفصيل قبائح النصارى وإبطال اقوالهم الفاسدة ، بعد تفصيل قبائح اليهود ، وهؤلاء الذين قالوا إن مريم ولدت (إلاها) هم " اليعقوبية " زعموا أن الله تعالى حل في ذات (عيسى) واتحد به ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
[ وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ] أى انا عبد مثلكم ، فأعبدوا خالقي وخالقكم ، الذي يذل له كل شيء ، ويخضع له كل موجود ، قال ابن كثير : كان أول كلمة نطق بها وهو صغير أن قال [ إني عبد الله ] ولم يقل : إني أنا الله ، ولا إبن الله ، بل قال [ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ] وقال القرطبي : رد الله عليهم ذلك بحجة قاطعة ، مما يقرون به فقال [ وقال المسيح يا بني اسرائيل أعبدوا الله ربي وربكم ] فإذا كان المسيح يقول : يا رب ، ويا الله ، فكيف يدعو نفسه ؟ أم كيف يسألها ؟ هذا محال
[ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ] أى من يعتقد بألوهية غير الله ، فلن يدخل الجنة أبدا ، لأنها دار الموحدين
[ ومأواه النار ] أى مصيره نار جهنم
[ وما للظالمين من أنصار ] أى فلا ناصر ولا منقذ له من عذاب الله
[ لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة ] أى أحد ثلاثة آلهة ، وهذا قول فرقة من النصارى يسمون (النسطورية والملكانية) القابلين بالتثليث وهم يقولون : إن الإلهية مشتركة بين (الله ، وعيسى ، ومريم ) وكل واحد من هؤلاء اله ، ولهذا اشتهر قولهم (الأب والإبن وروح القدس ) ((قال السدي : نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله فجعلوا الله (ثالث ثلاثة) بهذا الاعتبار ، وقال في البحر : يقولون جوهر واحد وثلاث أقانيم " أب ، وابن ، وروح قدس " وهذه الثلاثة إله واحد ، كما إن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة ، وزعموا أن الأب إله ، والإبن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد ، وهذا معلوم البطلان ببداهة العقل أن الثلاثة لا تكون واحدا ، وأن الواحد لا يكون ثلاثة ))
[ وما من اله إلا اله واحد ] أى والحال إنه ليس في الوجود إلا إله واحد ، موصوف بالوحدانية متعال عن المثيل والنظير
[ وإن لم ينتهوا عما يقولون ] أى وإن لم يكفوا عن القول بالتثليث
[ ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم ] أي ليصيبنهم عذاب اليم موجع في الدنيا والاخرة
[ افلا يتوبون الى الله ويستغفرونه ] الإستفهام للتوبيخ أي أفلا ينتهون عن تلك العقائد الزائفة ، والأقاويل الباطلة ويستغفرون الله مما نسبوه اليه من الإتحاد والحلول ؟
[ والله غفور رحيم ] أى يغفر لهم ويرحمهم إن تابوا ، قال البيضاوي : وفي هذا الإستفهام [ أفلا يتوبون ] تعجيب من إصرارهم على الكفر!
[ ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل ] أى ما المسيح إلا رسول كالرسل الخالية الذين تقدموه ، خصه الله تعالى ببعض الآيات الباهرات إظهارا لصدقه ، كما خص بعض الرسل ، فان أحيا الموتى على يده ، فقد أحيا العصا في يد موسى ، وجعلت حية تسعى ، وهو أعجب ، وإن خلق من غير أب ، فقد خلق آدم من غير أب ولا ام وهو أغرب ، وكل ذلك من جنابه عز وجل ، وإنما (موسى وعيسى) مظاهر شئونه وأفعاله
[ وأمه صديقة ] أى مبالغة في الصدق
[ كانا يأكلان الطعام ] أى إنه مخلوق كسائر المخلوقين ، مركب من (عظم ولحم وعروق وأعصاب ) ، وفيه إشارة لطيفة الى أن من يأكل الطعام لا بد أن يكون في حاجة الى إخراج فضلاته ، ومن
يكن هذا حاله فكيف يعبد ، أو كيف يتوهم إنه اله ؟
[ أنظر كيف نبين لهم الآيات ] تعجيب من حال الذين يدعون إلوهيته هو وأمه ، أى أنظر كيف نوضح لهم الآيات الباهرة ، على بطلان ما اعتقدوه
[ ثم أنظر انى يؤفكون ] أى كيف يصرفون عن استماع الحق ، وتأمله بعد هذا البيان ؟ مع أنه اوضح من الشمس في رابعة النهار
[ قل اتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ] أى قل يا محمد : أتوجهون عبادتكم الى من لا يقدر لكم على النفع والضر ؟ ((قال في البحر : لما بين تعالى بدليل النقل والعقل انتفاء الألوهية عن عيسى ودعاهم للتوبة وطلب الغفران ، أنكر عليهم ووبخهم من وجه اخر وهو عجز عيسى على دفع ضرر وجلب نفع ، وأن من كان لا يدفع عن نفسه حرى أن لا يدفع عنكم ))
[ والله هو السميع العليم ] أى السميع لاقوالكم العليم بأحوالكم . . وتضمنت الآية الإنكار عليهم ، حيث عبدوا من هو متصف بالعجز عن دفع ضر ، او جلب نفع
[ قل يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ] أى يا معشر اليهود والنصارى ، لا تتجاوزوا الحد في دينكم ، وتفرطوا كما افرط أسلافكم ، فتقولوا عن عيسى : إنه اله ، او إبن إله . قال القرطبي : وغلو اليهود قولهم في عيسى إنه ليس ولد رشدة - أى هو إبن زنا - وغلو النصارى قولهم إنه اله ؟
[ ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ] أى لا تتبعوا أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل بعثة النبى ص
[ واضلوا كثيرا ] أى اضلوا كثيرا من الخلق ، بإغوائهم لهم عن شرع الله
[ وضلوا عن سواء السبيل ] اي ضلوا عن الطريق الواضح المستقيم ، قال القرطبي : وتكرير (ضلوا) للإشارة الى إنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد ، والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة ، وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى
[ لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ] أى لعنهم الله عز وجل في الزبور ، والإنجيل ، قال ابن عباس : لعنوا بكل لسان ، لعنوا على عهد موسى في (التوراة) ، وعلى عهد داود في (الزبور) ، وعلى عهد عيسى في (الإنجيل ) ، وعلى عهد محمد في (القرآن ) قال المفسرون : إن اليهود لما اعتدوا في السبت ، دعا عليهم داود فمسخهم الله قردة ، واصحاب المائدة لما كفروا بعيسى دعا عليهم عيسى فمسخوا خنازير
[ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ] أى ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم . . ثم بين تعالى حالهم الشنيع في ترك استفحال الشر ، فقال سبحانه
[ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ] أى لا ينهى بعضهم بعضا عن قبيح فعلوه
[ لبئس ما كانوا يفعلون ] أى بئس شيئا فعلوه ، قال الزمخشري : تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم ، فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن التناهي عن المنكر ، كأنه ليس من الإسلام في شىء ، مع ما يتلون من كتاب الله من المبالغات في هذا الباب وقال في البحر : وذلك إنهم جمعوا بين فعل المنكر ، والتجاهر به ، وعدم النهي عنه ، والمعصية اذا فعلت ينبغي ان يستتر بها ، لحديث " من إبتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر " فاذا فعلت جهارا وتواطأ الناس على عدم الإنكار ، كان ذلك تحريضا على فعلها ، وسببا مثيرا لإفشائها وكثرتها
[ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ] أى ترى كثيرا من اليهود ، يوالون المشركين بغضا لرسول الله (ص) والمؤمنين ، والمراد بهم (كعب بن الأشرف ) واصحابه
[ لبئس ما قدمت لهم انفسهم ] أى بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة
[ أن سخط الله عليهم ] وهذا هو المخصوص بالذم أى بئس ما قدموه لآخرتهم : سخط الله وغضبه عليهم
[ وفي العذاب هم خالدون ] أى وفي عذاب جهنم مخلدون أبدا الآبدين
[ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل اليه ما اتخذوهم أولياء ] أى لو كان هؤلاء اليهود يصدقون بالله ونبيهم ، وما جاءهم من الكتاب ، ما أتخذوا المشركين أولياء
[ ولكن كثيرا منهم فاسقون ] أى ولكن اكثرهم خارجون عن الإيمان ، وطاعة الله عز وجل .
البلاغة :
1 - [ لستم على شيء ] في هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه .
2 - [ وما انزل اليكم من ربكم ] أضاف الإسم الجليل اليهم تلطفا معهم في الدعوة .
3 - [ فلا تأس على القوم الكافرين ] لم يقل عليهم ، وإنما وضع الظاهر [ القوم الكافرين ] مكان الضمير ، للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر.
4 - [ والله بصير بما يعملون ] صيغة المضارع بدل الماضي [ بما عملوا ] لحكاية الحال الماضية ، استحضارا لصورتها الفظيعة ، ومراعاة لرءوس الآيات .
5 - [ فقد حرم الله عليه الجنة ] إظهار الإسم الجليل [ حرم الله ] في موضع الإضمار لتهويل الأمر ، وتربية المهابة في النفوس .
6 - الاستعارة [ فعموا وصموا ] إستعار العمى والصمم للإعراض عن الهداية والإيمان ، أى عموا عن رؤية الحق ، وصموا عن سماع آيات الرحمن .
7- [ انظر كيف نبين ] [ ثم انظر أنى يؤفكون ] قال ابو السعود : تكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب ، ولفظة " ثم " لإظهار ما بين العجبين من التفاوت ، أى ان بياننا للآيات امر بديع ، بالغ اقصى
الغايات من الوضوح والتحقيق ، وإعراضهم عنها اعجب وابدع .
8 - [ لئس ما كانوا يفعلون ] تقبيخ لسوء اعمالهم ، وبعجيب منه بالتوكيد مع القسم .
الفوائد :
قال بعض المحققين في قوله تعالى [ قل اتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ] إذا كان هذا في حق عيسى النبي ؟ فما ظنك بولي من الأولياء ، هل يملك لهم نفعا او ضر
تنبيه :
- قال ابن كثير : دلت الآية [ وأمه صديقة ] على إن مريم ليست بنبية ، كما زعمه ابن حزم وغيره ، ممن ذهب الى نبوة سارة " ونبوة " ام موسى " استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم ، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا الا من الرجال [ وما ارسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي اليهم ] وحكى الأشعري الإجماع على ذلك .
قال الله تعالى : [ لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود . . الى . . وأتقوا الله الذي اليه تحشرون ] من اية (82) الى نهاية اية (96) .
المناسبة :
لما ذكر تعالى احوال اليهود والنصارى وما هم عليه من الزيغ والضلال ، ذكر هنا أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين ، ولذلك جعلهم تعالى قرناء للمشركين في شدة العداوة ، وذكر أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم ، ثم لما استقصى المناظرة مع اهل الكتاب ، عاد الى بيان الاحكام الشرعية ، فذكر منها كفارة اليمين ، وتحريم الخمر والميسر ، وجزاء قتل الصيد فى حالة الاحرام ، وغيرها من الأحكام .
اللغة :
[ قسيسين ] القس والقسيس اسم لرئيس النصارى ، ومعناه العالم
[ رهبانا ] جمع راهب ، وأصله من الرهبة بمعنى المخافة ، والرهبانية والترهب التعبد في الصومعة
[ تفيض ] الفيض ان يمتلىء الإناء ويسيل من شدة الامتلاء ، يقال : فاض الماء ، وفاض الدمع ، قال الشاعر : ففاضت دموع العين مني صبابة على النحرحتى بل دمعي محملي
[ رجس ] قال الزجاج : الرجس : إسم لكل ما استقذر من عمل ، ويقال للعذرة والأقذار : رجس ، لإنها قذارة ونجاسة
[ الجحيم ] النار الشديدة الإتقاد
[ والصيد ] كل ما يصطاد من حيوان وطير وغيره ، فالصيد يطلق على المصيد ، قال الشاعر : صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدي الأبطال
سبب
سبب النزول :
ا - عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي (ص) فقال يا رسول الله : إني إذا أكلت هذا اللحم انتشرت للنساء ، واخذتني شهوتي ، وإني حرمت علي اللحم ، فأنزل الله : [ يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ] الآية .
ب - عن أنس قال : كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر ، في بيت " أبى طلحة " وما شرابهم إلا الفضيخ والبسر والتمر ، وإذا مناد ينادي إن الخمر قد حرمت قال : فأريقت في سكك المدينة ، فقال ابو
طلحة : إذهب فأهرقها فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله [ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ] .
التفسير :
[ لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ] اللام للقسم أى قسما بالله لتجدن يا محمد اليهود والمشركين ، اشد الناس عداوة للمؤمنين
[ ولنجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ] نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه ، وصف الله شدة شكيمة اليهود ، وصعوبة إجابتهم الى الحق ، ولين عريكة النصارى وسهولة ميلهم الى الإسلام ، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين ، بل نبه على زيادة عداوتهم بتقديمهم على الذين اشركوا
[ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ] تعليل لقرب مودتهم أى كونهم أقرب مودة ، بسبب إن منهم علماء وعبادا
[ وإنهم لا يستكبرون ] أى يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود ، قال البيضاوي : وفيه دليل على أن التواضع ، والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات ، محمود وان كان من كافر
[ وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ] أى اذا سمعوا القرآن المنزل على محمد رسول الله
[ ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ] اي تنهمر منها الدموع ، من أجل معرفتهم إنه كلام الله وإنه حق
[ يقولون ربنا آمنا ] أى يقولون : يا ربنا صدقنا بنبيك وكتابك
[ فاكتبنا مع الشاهدين ] أى مع أمة محمد عليه السلام ، الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم (جعفر بن أبى طالب ) بالحبشة القرآن ، بكوا حتى اخضلوا لحاهم
[ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ] أى ما الذي يمنعنا عن الإيمان ويصدنا عن إتباع الحق ، وقد لاح لنا الصواب ، وظهر الحق المنير ؟ قالوا ذلك في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود ، قال في البحر : هذا انكار واستبعاد لإنتفاء الإيمان منهم ، مع قيام موجبه وهو عرفان الحق
[ ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ] أى والحال إننا نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة ، بصحبة الصالحين من عباده الأبرار
[ فأثابهم الله بما قالوا ] أى جازاهم على إيمانهم وتصديقهم وإعترافهم بالحق
[ جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ] أى ماكثين فيها أبدا ، لا يحولون عنها ولا يزولون
[ وذلك جزاء المحسنين ] أى ذلك الأجر والثواب ، جزاء من أحسن عمله وأصلح نينه . . ثم اخبر تعالى عن حال الأشقياء فقال سبحانه
[ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب الجحيم ] أى جحدوا بآيات الله ، وانكروا نبوة محمد(ص) ، فهم اهل الجحيم المعذبون فيها ، قال ابو السعود : وذكرهم بمقابلة المصدقين بآيات الله ، جمعا بين الترغيب والترهيب
[ يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ] روى الطبري عن عكرمة قال : كان اناس من أصحاب النبى (ص) هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء ، فنزلت هذه الآية أى لا تمنعوا أنفسكم تلك اللذائذ وتقولوا حرمناها على انفسنا ، مبالغة في تركها وتقشفا وتزهدا
[ ولا تعتدوا ] أى ولا تتعدوا حدود ما احل الله لكم ، بتجاوز الحلال الى الحرام
[ إن الله لا يحب المعتدين ] أى يبغض المتجاوزين الحد ، والإسلام يدعو الى القصد ، بدون إفراط ولا تفريط ، ولهذا قال سبحانه
[ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ] أى كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله ، قال في التسهيل : أى تمتعوا بالمأكل الحلال وبالنساء وغير ذلك ، وإنما خص الأكل بالذكر ، لإنه أعظم حاجات الانسان
[ واتقوا الله الذي انتم به مؤمنون ] هذا استدعاء الى (التقوى) بألطف الوجوه كإنه يقول : لا تضيعوا إيمانكم ، بالتقصير في طاعة الله عز وجل ، فتكون عليكم الحسرة العظمى ، فإن الإيمان بالله تعالى يوجب المبالغة في تقوى الله
[ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ] أى لا يؤاخذكم بما يسبق اليه اللسان من غير قصد الحلف ، كقولكم : لا والله ، وبلى والله
[ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ] أى ولكن يؤاخذكم بما وثقتم الأيمان عليه ، بالقصد والنية اذا حنثتم
[ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون اهليكم ] أى كفارة اليمين عند الحنث ، أن تطعموا عشرة مساكين ، من الطعام الوسط الذي تطعمون منه أهليكم ، قال ابن عباس : أى من أعدل ما تطعمون أهليكم ، وقال ابن عمر : الأوسط الخبز والتمر ، والخبز والزبيب ، وخير ما نطعم اهلينا الخبز واللحم
[ او كسوتهم ] أى كسوة المساكين لكل مسكين ثوب يستر البدن
[ او تحرير رقبة ] أى إعتاق عبد مملوك لوجه الله ، قال في البحر : واجمع العلماء على أن الحانث مخير بين (الإطعام ، والكسوة ، والعتق )
[ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ] أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام متتابعة ((شرط الأحناف والحنابلة التتابع في الأيام ، وقال الشافعي ومالك : لا يجب التتابع واختار الطبري أنه كيفما صامهن مفرقة أو متتابعة أجزأه كذا في الطبري ))
[ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ] أى هذه كفارة اليمين الشرعية عند الحنث
[ واحفظوا أيمانكم ] أى احفظوها عن الإبتذال ولا تحلفوا الا لضرورة ، قال ابن عباس : أى لا تحلفوا ، وقال إبن جرير : أى لا تتركوها بغير تكفير
[ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ] أى مثل ذلك التبيين ، يبين الله لكم الأحكام الشرعية ويوضحها ، لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم
[ يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر ] قال ابن عباس : الخمر جميع الأشربة التي تسكر ، والميسر القمار كانوا يتقامرون به في الجاهلية
[ والأنصاب والأزلام ] أى الاصنام المنصوبة للعبادة والاقداح التي كانت عند سدنة البيت وخدام الاصنام ، قال ابن عباس ومجاهد ؟ الأنصاب حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها ، والازلام : قداح كانوا يستقسمون بها
[ رجس من عمل الشيطان ] اي قذر ونجس تعافه العقول ، وخبيث مستقذر من تزيين الشيطان
[ فإجتنبوه لعلكم تفلحون ] أى اتركوه وكونوا في جانب آخر ، بعيدين عن هذه القاذورات ، لتفوزوا بالثواب العظيم
[ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ] أى ما يريد الشيطان بهذه الرذائل ، إلا إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ، في شربهم الخمر ولعبهم بالقمار
[ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ] أى ويمنعكم بالخمر والميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم ، وعن الصلاة التي هي عماد دينكم ، قال ابو حيان : ذكر تعالى في الخمر والميسر مفسدتين : إحداهما دنيوية ، والأخرى دينية ، فأما الدنيوية فإن الخمر تثير الشرور والاحقاد وتئول بشاربها الى التقاطع ، وأما الميسر فإن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سليبا لا شيء له ، وينتهي الى أن يقامر حتى على أهله وولده ، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور والطرب بما تلهي عن ذكر الله وعن الصلاة ، والميسر- سواء كان غالبا او مغلوبا - يلهي عن ذكر الله
[ فهل أنتم منتهون ] الصيغة للإستفهام ومعناه الأمر أى إنتهوا ، ولذلك قال عمر : إنتهينا ربنا انتهينا ! ! وهذا الإستفهام من أبلغ ما ينهى به ، كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيهما من المفاسد القبيحة ، التي توجب الإنتهاء ، فهل أنت منتهون ؟ أم باقون على حالكم ؟
[ واطيعوا الله واطيعوا الرسول واحذروا ] أى اطيعوا أمر الله وأمر رسوله ، واحذروا مخالفتهما
[ فإن توليتم ] أى أعرضتم ولم تعملوا بأمر الله ورسوله
[ فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين ] أى ليس عليه هدايتكم ، وإنما عليه تبليغكم الرسالة وجزاؤكم علينا ، قال الطبري : وهذا من الله وعيد لمن تول عن أمره ونهيه ، يقول تعالى ذكره لهم : فإن توليتم عن أمري ونهيي فتوقعوا عقابي ، واحذروا سخطي وقال ابو حيان : وفي هذا من الوعيد البالغ ما لا خفاء به ، اذ تضمن أن عقابكم انما يتولاه المرسل لا الرسول
[ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ] قال ابن عباس : لما نزل تحريم الخمر ، قال قوم : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ؟ فنزلت الآية ، وأخبر تعالى ان الإثم والذم ، انما يتعلق بفعل المعاصي ، والذين ماتوا قبل التحريم ليسوا بعاصين
[ إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ] أى ليس عليهم إثم فيما تناولوه من المأكول والمشروب ، إذا إتقوا المحرم ، وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة
[ ثم اتقوا وآمنوا ] أى اتقوا المحرم وآمنوا بتحريمه ، بمعنى : اجتنبوا ما حرمه الله معتقدين حرمته
[ ثم اتقوا واحسنوا ] أى ثم استمروا على تقوى الله واجتناب المحارم ، وعملوا الأعمال الحسنة التي تقربهم من الله
[ والله يحب المحسنين ] أى يحب المتقربين اليه بالأعمال الصالحة ، قال في التسهيل : كرر التقوى مبالغة ، وقيل : الرتبة الأولى : إتقاء الشرك ، والثانية : إتقاء المعاصي ، والثالثة : إتقاء ما لا بأس به حذرا مما به البأس
[ يا ايها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله ايديكم ورماحكم ] أى ليختبرنكم الله في حال إحرامكم بالحج او العمرة ، بشيء من الصيد ، تنال صغاره الأيدي ، وكباره الرماح ، قال البيضاوي : نزلت في عام الحديبية ، إبتلاهم الله سبحانه وتعالى بالصيد ، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم ، بحيث يتمكنون من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وهم محرمون قال في البحر : وكان الصيد مما تعيش به العرب ، وتتلذذ بإقتناصه ، ولهم فيه الأشعار والأوصاف الحسنة
[ ليعلم الله من يخافه بالغيب ] أى ليتميز الخائف من الله بطريق الغيب لقوة إيمانه ، ممن لا يخاف الله لضعف إيمانه
[ فمن إعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم ] أى فمن تعرض للصيد بعد هذا الإعلام والإنذار ، فله عذاب مولم موجع
[ يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ] اي لا تقتلوا الصيد وانتم محرمون بحج او عمرة
[ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ] أي من قتل الصيد في حالة الإحرام ، فعليه جزاء يماثل ما قتل من النعم وهي (الإبل والبقر والغنم )
[ يحكم به ذوا عدل منكم ] أى يحكم بالمثل حكمان عادلان من المسلمين
[ هديا بالغ الكعبة ] أى حال كونه هديا ينحر ، ويتصدق به على مساكين الحرم ، فإن لم يكن للصيد مثل من النعم ، كالعصفور والجراد فعليه قيمته
[ او كفارة طعام مساكين ] أى واذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم فيقوم الصيد المقتول ، ثم يشترى به طعام فيصرف لكل مسكين مد منه
[ او عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره ] أي عليه مثل ذلك الطعام صياما يصومه ، عن كل مد يوما ، ليذوق سوء عاقبه هتكه لحرمة الإحرام ! قال في التسهيل : عدد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد ، فذكر أولا الجزاء من النعم ، ثم الطعام ، ثم الصيام ، ومذهب مالك والجمهور أنها على التخيير ، وهو الذي يقتضيه العطف ب (او) وعن ابن عباس أنها على الترتيب
[ عفا الله عما سلف ] أى من قتل الصيد قبل التحريم
[ ومن عاد فينتقم الله منه ] أى ومن عاد الى قتل الصيد وهو محرم ، فينتقم الله منه في الآخرة
[ والله عزيز ذو انتقام ] أى غالب على أمره منتقم ممن عصاه
[ أحل لكم صيد البحر ] أى أحل لكم أيها الناس صيد البحر ، سواء كنتم محرمين او غير محرمين
[ وطعامه متاعا لكم وللسيارة ] أى وما يطعم من صيده كالسمك وغيره ، منفعة وقوتا لكم ، وزادا للمسافرين يتزودونه في أسفارهم
[ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ] أى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم محرمين
[ واتقوا الله الذي اليه تحشرون ] أى خافوا الله الذي تبعثون اليه يوم القيامة ، فيجازيكم على أعمالكم ، وهو وعيد وتهديد .
البلاغة :
1 - بين لفظ [ عداوة . . ومودة ] طباق وهو من المحسنات البديعية .
2 - [ تفيض من الدمع ] في الآية استعارة لطيفة ، أى تمتلىء بالدمع ، فاستعير له الفيض مبالغة ، او جعلت أعينهم من فرط البكاء تفيض بانفسها.
3 - [ تحرير رقبة ] مجاز مرسل أطلق الجزء وأراد الكل أى عتق إنسان .
4 - [ فهل أنتم منتهون ] الإستفهام يراد به الأمر أى إنتهوا وهو من أبلغ ما ينهى به ، قال ابو السعود : ولقد أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد ، حيث صدرت الجملة ب
" إنما " وقرنا بالأصنام والأزلام ، وسميا رجسا من عمل الشيطان ، وأمر بالإجتناب عن عينهما ، وجعل ذلك سببا للفلاح ، ثم ذكر ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية ، ثم أعيد الحث على الإنتهاء بصيغة الإستفهام [ فهل أنتم منتهون ] إيذانا بأن الأمر في الزجر والتحذير ، قد بلغ الغاية القصوى .
فائدة :
التعبير بقوله تعالى [ فاجتنبوه ] نص في التحريم ، ولكنه أبلغ في النهي والتحريم من لفظ " حرم " لان معناه البعد عنه بالكلية فهو مثل قوله تعالى : [ ولا تقربوا الزنى ] لان القرب منه اذا كان حراما ، فيكون الفعل محرما من باب اولى ، وكذلك هنا .
تنبيه :
لم يذكر في القرآن الكريم تعليل الاحكام الشرعية إلا بالايجاز أما هنا فقد ذكرت العلة بالتفصيل ، فذكر تعالى منها إلقاء العداوة والبغضاء بين المؤمنين ، والصد عن سبيل الله وذكره ، وشغل المؤمنين عن الصلاة ، ووصف الخمر والميسر بأنهما رجس ، وأنهما من عمل الشيطان ، وأن الشيطان يريد إغواء الانسان ، وكل ذلك ليشير الى ضرر وخطر هاتين الرذيلتين (القمار والخمر) فتدبر أسرار القرآن العظيم
قال الله تعالى [ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس . . الى قوله . . والله لا يهدي القوم الفاسقين ] من أية (97) الى نهاية آية (108) .
المناسبة :
لما ذكر تعالى في الآية المتقدمة ان الصيد على المحرم حرام ، ذكر تعالى في هذه الآية انه جعل الكعبة قياما للناس ، اذ ركز في قلوبهم تعظيمها بحيث لا يقع فيها أذى لأحد ، فكما ان الحرم سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا وا لاخرة .
اللغة :
[ البحيرة ] من البحر وهو الشق قال ابو عبيدة : وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن في آخرها ذكر شقوا أذنها وخلوا سبيله فلا تركب ولا تحلب
[ السائبة ] البعير يسيب بنذر ونحوه
[ وصيلة ] الوصيلة من الغنم كانوا اذا ولدت الشاة سبعة أبطن وكان السابع ذكرا وأنثى قالوا قد وصلت اخاها فلم تذبح
[ حام ] : الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن يقال قد حمى ظهره ، فلا يركب ولا يمنع من كلا ولا ماء
[ عثر ] ظهر يقال : عثرت منه على خيانة أى اطلعت وظهرت لي
[ الأوليان ] تثنية ولى بمعنى أحق .
سبب النزول :
ا - عن ابن عباس قال : كان قوم من المنافقين يسألون النبي (ص) استهزاء فيقول الرجل : من أبى ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله [ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء
إن تبد لكم تسؤكم . . ] الآية .
ب - وعن ابن عباس قال : كان (تميم الدارى " و " عدى بن بداء " يختلفان الى مكة وكانا نصرانيين قبلا الاسلام فخرج معهما فتى من " بني سهم " فتوفى بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى اليهما فدفعا تركته الى أهله ، وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فاستحلفهما رسول الله !نه ما كتمتما ولا اطلعتما! ! ثم وجد الجام بمكة ، فقالوا : اشتريناه من عدى وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا ان هذا الجام للسهمى ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما إعتدينا فأخذوا الجام ، وفيهم نزلت هذه الآية [ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم . . ] الآية .
التفسير :
[ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ] أى جعل الله الكعبة المشرفة وهي (البيت المحرم) ، صلاحا ومعاشا للناس ، يلوذ به الخائف ، ويأمن فيه الضعيف ، ويربح فيه التجار ، ويتوجه اليه
الحجاج والعمار
[ والشهر الحرام ] أى الاشهر الحرم (ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ) قياما لهم لأمنهم القتال فيها
[ والهدي والقلائد ] أى الهدي الذي يهدى للحرم من الأنعام ، والبدن (ذوات القلائد) التي تقلد من شجر الحرم جعلها الله أيضا قياما للناس
[ ذلك لتعلموا ان الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وان الله بكل شيء عليم ] أى جعل هذه الحرمة للبيت الحرام ، والشهر الحرام ، والهدي والقلائد ، لتعلموا ان الله يعلم أمور السموات والأرض ، ويعلم مصالحكم ، لذلك جعل الحرم أمنا يسكن فيه كل شيء ، فانظروا لطفه بالعباد ، مع كفرهم وضلالهم ا ؟
[ اعلموا ان الله شديد العقاب وان الله غفور رحيم ] أى اعلموا ايها الناس ان الله شديد العقاب لمن عصاه ، وانه غفور رحيم لمن تاب واطاع وأناب ، فلا تيئسنكم نقمته ، ولا تطمعنكم رحمته
[ ما على الرسول إلا البلاغ ] أى ليس على الرسول إلا أداء الرسالة ، وتبليغ الشريعة ، وقد بلغ ما وجب عليه ، فلا عذر لأحد في التفريط
[ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ] أى لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم ، وسيجازيكم عليها . قال ابو حيان : الجملة فيها تهديد إذ أخبر تعالى انه مطلع على حال العبد ، ظاهرا وباطنا ، فهو مجازيه على ذلك ثوابا او عقابا )
[ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ] أى قل يا أيها الرسول : لا يتساوى الخبيث والطيب ، ولو أعجبك ايها السامع كثرة الخبيث ، وهو مثل ضربه الله للتمييز بين الحلال والحرام ، والمطيع والعاصي ، والرديء والجيد ، قال القرطبي : اللفظ عام في جميع الامور ، يتصور في المكاسب ، والأعمال ، والناس ، والمعارف من العلوم وغيرها ، فالخبيث من هذا كله ، لا يفلح ولا يتجب ولا تحسن له عاقبة ، وان كثر ، والطيب - وان قل - نافع حميد جميل العاقبة وقال ابو حيان : الظاهر ان الخبيث والطيب عامان فيندرج تحتهما المال وحرامه ، وصالح العمل وفاسده ، وجيد الناس ورديئهم ، وصحيح العقائد وفاسده ، ونظير هذه الآية قوله تعالى [ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا ]
[ فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ] أى فاتقوا الله بأمتثال أوامره واجتناب نواهيه يا ذوي العقول ، لتفلحوا وتفوزوا برضوان الله ، والنعيم المقيم
[ يا أيها الذين آمنوا لا تسالوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم ] أى لا تسألوا الرسول عن أمور لا حاجة لكم بها ، ان ظهرت لكم ساءتكم ، قال الزمخشري : أى لا تكثروا مسألة رسول الله (ص) حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم ، ان أفتاكم بها وكلفكم إياها ، تغمكم وتشق عليكم ، وتندموا على السؤال عنها )
[ وان تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ] أى وان تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة ، في زمان نزول الوحى ، يظهر لكم تلك التكاليف التي تكرهونها ، فلا تسالوا عنها ((وقال ابن عباس في تفسير الآية : لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم ، إما لتكليف شرعي يلزمكم ، واما لخبر يسوءكم مثل الذي قال أين أبي ؟ ولكن إذا نزل القران بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذ إن سألتم عن بيانه بين لكم وأبدى!! نقلا عن تفسير البحر المحيط ))
[ عفا الله عنها ] اي عفا الله عن مسائلكم السالفة التي لا ضرورة لها ، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية ، فلا تعودوا الى مثلها
[ والله غفور حليم ] أى واسع المغفرة عظيم الفضل والاحسان ، ولذلك عفا عنكم ، ولم يعاجلكم بالعقوبة
[ قد سألها قوم من قبلكم ] أى سأل أمثال هذه المسائل قوم قبلكم ، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها ، ولهذا قال
[ ثم أصبحوا بها كافرين ] أى صاروا بتركهم العمل بها كافرين ، وذلك ان بني اسرائيل كانوا يستفتون انبياءهم عن اشياء ، فاذا امروا بها تركوها فهلكوا
[ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ] كان أهل الجاهلية إذ أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أى شقوها وحزموا ركوبها وهي (البحيرة) ، وكان الرجل يقول : اذا قدمت عن سفري او برئت من مرضي قناقتي (سائبة) ، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها ، واذا ولدت الشاة انثى فهي لهم ، وان ولدت ذكرا فهو لآلهتهم ، وان ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها وهي (الوصيلة) ، واذا انتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره وهو (الحام ) ، فلما جاء الاسلام أبطل هذه العادات كلها ، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ،
[ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ] أى ولكن الذين كفروا بالله ، يختلقون الكذب على الله ، وينسبون التحريم اليه ، فيقولون : الله أمرنا بهذا ، وأكثرهم لا يعقلون إن هذا إفتراء ، لأنهم يقلدون فيه الأباء ، ولهذا قال تعالى
[ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ] أى وإذا قيل لهؤلاء الضالين : هلموا الى حكم الله ورسوله فيما حللتم وحرمتم
[ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ] أى يكفينا دين أبائنا
[ اولو كان أباوهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ] الهمزة للإنكار والغرض التوبيخ ، أى أيتبعون آباءهم فيما هم عليه من الضلال ، ولو كانوا لا يعلمون شيئا من الدين ، ولا يهتدون الى الحق ؟
[ يا ايها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ] أى احفظوها عن ملابسة المعاصي ، وا لإصرار على الذنوب ، والزموا إصلاحها
[ لا يضركم من ضل إذا إهتديتم ] أى لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا كنتم مهتدين ، قال الزمخشري : كان المسلمون تذهب انفسهم حسرة على الكفرة ، يتمنون دخولهم في الإسلام ، فقيل لهم عليكم أنفسكم بإصلاحها والمشي بها في طرق الهدى ، لا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين ، كما قال تعالى لنبيه (ص) [ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ] وقال ابو السعود : ولا يتوهمن احد أن في الآية رخصة ، في ترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإن من جملة الإهتداء أن ينكر ، وقد روي أن الصديق قال يوما على المنبر : (أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ، وتضعونها غير موضعها واني سمعت رسول الله ، قال : ان النس اذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، عمهم الله بعقابه ) ((ويؤيده حديث " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، واعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام ، فإن من ورائكم أياما ، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب ))
[ إلى الله مرجعكم جميعا ] أى مصيركم ومصير جميع الخلائق الى الله
[ فينبئكم بما كنتم تعملون ] أى فيجازيكم بأعمالكم ، قال البيضاوي : هذا وعد ووعيد للفريقين ، وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره
[ يا أيها الذين أمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ] أى يا أيها المؤمنون اذا شارف أحدكم على الموت ، وظهرت علائمه ، فينبغي أن يشهد على وصيته
[ إثنان ذوا عدل منكم او آخران من غيركم ] أى يشهد على الوصية شخصين عدلين من المسلمين ، او إثنان من غير المسلمين ، غن لم تجدوا شاهدين منكم
[ إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ] أى إن أنتم سافرتم فقاربكم الأجل ، ونزل بكم الموت
[ تحبسونهما من بعد الصلاة ] أي توقفونهما من بعد صلاة العصر ، لأنه وقت إجتماع الناس ، وكذا فعل رسول الله (ص) استحلف عديا وتميما بعد العصر عند المنبر
[ فيقسمان بالله ان إرتبتم ] أى يحلفان بالله إن شككتم وإرببتم في شهادتهما ، قال ابو السعود : أى إن إرتاب بهما الوارث منكم بخيانة وأخذ شيء من التركة فاحبسوهما ، وحلفوهما بالله
[ لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ] أى يحلفان بالله قائلين : لا نحابي بشهادتنا أحدا ولا نستبدل بالقسم بالله عرضا من الدنيا ، أى لا نحلف بالله كاذبين من أجل المال ولو كان من نقسم له قريبا لنا
[ ولا نكتم شهادة الله إنا اذا لمن الآثمين ] أى ولا نكتم الشهادة التي امرنا الله تعالى بإقامتها ، إنا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين
[ فإن عثر على أنهما إستحقا إثما ] أى فإن اطلع بعد حلفهما على خيانتهما ، او كذبهما في الشهادة
[ فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ] أى فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة ، يقومان مقام الشاهدين الخائنين ، وليكونا من اولى من يستحق الميراث
[ فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ] اي يحلفان بالله لشهادتنا أصدق وأولى بالسماع والإعتبار ، من شهادتهما لأنهما خانا
[ وما اعتدينا إنا اذا لمن الظالمين ] أى وما اعتدينا فيما قلنا فيهما من الخيانة ، إنا اذا كذبنا عليهم نكون من الظالمين
[ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ] أى ذلك الحكم أقرب أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها ، من غير تغيير ولا تبديل
[ او يخافوا ان ترد أيمان بعد أيمانهم ] أى يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فينفضحوا
[ واتقوا الله واسمعوا ] أى خافوا ربكم وأطيعوا امره
[ والله لا يهدي القوم الفاسقين ] أى والله لا يهدي الخارجين عن طاعته ، ولا يرشدهم الى جنته ورحمته !
البلاغة :
1 - [ الهدي والقلائد ] عطف القلائد على الهدي من عطف الخاص على العام ، خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر ، وبهاء الحج بها أظهر.
2 -[ ما على الرسول إلا البلاغ ] أطلق المصدر البلاغ وأراد به التبليغ للمبالغة .
3 - [ الخبيث والطيب ] بينهما طباق ، وبين [ أصابتكم مصيبة ] جناس الإشتقاق ، وكلاهما من المحسنات البديعية .
4 - [ شهادة بينكم ] جملة خبرية لفظا إنشانية معنى يراد منها الأمر أى ليشهد بينكم .
الفوائد :
قال الإمام الشاطبي : الإكثار من الأسئلة مذموم وله مواضع نذكر منها عشرة :
أحدها : السؤال عما لا ينفع في الدين ، كسؤال بعضهم : من أبي ؟
ثانيها : ان يسأل ما يزيد عن الحاجة ، كسؤال الرجل عن الحج : أكل عام ؟
ثالثها : السؤال من غير إحتياج اليه في الوقت ، ويدل عليه : " ذروني ما تركتكم " .
رابعها : أن يسأل عن صعاب المسائل ، كما جاء في النهى عن الأغلوطات .
خامسها : أن يسأل عن علة الحكم في التعبدات ، كالسؤال عن قضاء الصوم للحائض دون الصلاة .
سادسها : أن يبلغ بالسؤال حد التكلف والتعمق ، كسؤال بني اسرائيل عن البقرة وما هي ؟ وما لونها ؟
سابعها : أن يظهر من السؤال معارضة (الكتاب والسنة) بالرأي ، ولذلك قال سعيد : أعراقي أنت ؟
ثامنها : السؤال عن المتشابهات ومن ذلك سؤال مالك عن الإستواء فقال : الإستواء معلوم . . الخ .
تاسعها : السؤال عما حصل بين السلف ، وقد قال عمر بن عبد العزيز : تلك دماء كفا الله عنها يدي ، فلا الطخ بها لساني .
عاشرها : سؤال التعنت والإفحام ، وطلب الغلبة في الخصام ، ففي الحديث الشريف : " أبغض الرجال الى الله الألد الخصم " أى المكثر من الجدال والخصام .
قال الله تعالى : [ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا اجبتم . . . ] الى اخر السورة الكريمة من آية (108 ) الى نهاية اية ( 120 ) .
المناسبة :
لما ذكر تعالى الوصية عند دنو الأجل وأمر بتقوى الله والسمع والطاعة ، أعقبه بذكر اليوم المهول المخيف ، وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين للجزاء والحساب ، ثم ذكر المعجزات التي أيد بها عبده ورسوله " عيسى " ومنها المائدة من السماء ، وختم السورة الكريمة ببراءة السيد المسيح من دعوى الألوهية ، ردا على النصارى الضالين .
اللغة :
[ كففت ] منعت وصرفت ومنه الكفيف لأنه منع الرؤية
[ أيدتك ] قويتك مأخوذة من الأيد وهو القوة
[ أوحيت ] الوحي : إلقاء المعنى الى النفس خفية وهو على أقسام : وحى بمعنى الإلهام ، ووحى بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام ، ووحى بمعنى إرسال جبريل الى الرسل عليهم السلام
[ مائدة ] المائدة : الخوان الذي عليه الطعام أى السفرة ، فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة
[ الرقيب ] المراقب الشاهد على الأفعال
[ أبدا ] أى بلا إنقطاع .
التفسير :
[ يوم يجمع الله الرسل ] أى اذكروا ايها الناس ذلك اليوم الرهيب (يوم القيامة) ، حين يجمع الله الرسل والخلائق للحساب والجزاء
[ فيقول ماذا أجبتم ] أى ما الذي أجابتكم به أممكم ؟ وما الذي رد عليكم قومكم ، حين دعوتموهم الى الإيمان والتوحيد ؟
[ قالوا لا علم لنا ] أى لا علم لنا الى جنب علمك ، قال ابن عباس : أى لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا
[ إنك أنت علام الغيوب ] أى تعلم ما لا نعلم مما ظهر وبطن ، قال ابو السعود : وفيه إظهار للشكوى ورد للأمر الى علمه تعالى ، بما لقوا من قومهم من الخطوب وكابدوا من الكروب ، والتجاء الى ربهم في الإنتقام منهم
[ إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ] قال ابن كثير : يذكر تعالى ما من به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام بما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق
العادات ، أى اذكر نعمتي عليك في خلقى إياك من أم بلا ذكر ، وجعلي إياك آية قاطعة على كمال قدرتي ، وعلى والدتك حيث جعلتك برهانا على براءتها مما اتهمها به الظالمون من الفاحشة وقال
القرطبي : هذا من صفة يوم القيامة ، كأنه قال : اذكر يوم يجمع الله الرسل واذ يقول لعيسى كذا وذكر بلفظ الماضى [ إذ قال ] تقريبا للقيامة لأن ما هو آت قريب
[ إذ أيدتك بروح القدس ] أى حين قويتك بالروح الطاهرة المقدسة " جبريل " عليه السلام
[ تكلم الناس في المهد وكهلا ] أى تكلم الناس في المهد صبيا ، وفي الكهولة نبيا
[ وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ] أى واذكر نعمتي عليك حين علمتك الكتابة ، والحكمة وهي : العلم النافع مع التوراة والإنجيل
[ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ] أى واذكر ايضا حين كنت تصور الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري
[ فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ] أى فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيرا بأمر الله ومشيئته
[ وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني ] أى تشفى الأعمى الذي لا يبصر ، والأبرص الذي إستعص شفاؤه ، بأمري ومشيئتي
[ واذ تخرج الموتى بإذني ] أى تحي الموتى بأمري ومشيئتي ، وكرر لفظ [ بإذني ] مع كل معجزة ، ردا على من نسب الربوبية الى عيسى ، ولبيان أن تلك الخوارق من جهته سبحانه ، أظهرها على يديه معجزة له
[ وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات ] أى واذكر حين منعت اليهود من قتلك ، لما هموا وعزموا على الفتك بك ، حين جئتهم بالحجج والمعجزات الساطعات
[ فقال الذين كفروا منهم ان هذا الا سحر مبين ] أى قال الذين جحدوا نبوتك ولم يومنوا بك : ما هذه الخوارق سحر ظاهر واضح
[ وإذ أوحيت الى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ] وهذا ايضا من الإمتنان على عيسى أى واذكر حين أمرت الحواريين وقذفت في قلوبهم ، أن آمنوا بي وبرسولي عيسى إبن مريم
[ قالوا أمنا واشهد بأننا مسلمون ] أى قال الحواريون صدقنا يا رب بما أمرتنا ، واشهد بأننا مخلصون في هذا الإيمان خاضعون لأمر الرحمن
[ إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ] أى واذكر حين قال الحواريون : يا عيسى هل يقدر ربك على إنزال مائدة من السماء علينا ؟ قال القرطبي : وكان هذا السؤال في إبتداء أمرهم قبل إستحكام معرفتهم بالله عز وجل ، ويجوز أن يكون ذلك صدر ممن كان معهم من الجهال ، كما قال بعض قوم موسى [ إجعل لنا إلها كما لهم آلهة ] وقال ابو حيان : وهذا اللفظ يقتضي ظاهره الشك في قدرة الله تعالى ، على أن ينزل مائدة من السماء ، وهذا ما ذهب اليه الزمخشري ((قال الزمخشري : فان قلت : كيف قالوا هل يستطيع ربك بعد إيمانهم واخلاصهم ؟ قلت : ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص ، وانما حكى ادعاءهم لهما فدعواهم كانت باطلة ، وانهم شاكين وهذا كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم ! والصحيح قول الجمهور)) وأما غيره من أهل التفسير ، فأطبقوا على أن الحواريين كانوا مؤمنين ، وهم (خواص عيسى) ، وأنهم لم يشكوا في ذلك ، حتى قال الحسن : لم يشكوا في قدرة الله ، وإنما سالوه سؤال مستخبر هل ينزل أم لا ؟ فإن كان ينزل فإسأله لنا فسؤالهم كان للإطمئنان والتثبت
[ قال إتقوا الله إن كنتم مؤمنين ] أى اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إن كنتم مصدقين بكمال قدرته تعالى
[ قالوا نريد أن ناكل منها وتطمئن قلوبنا ] أى قال الحواريون : نريد بسؤالنا المائدة أن نأكل منها تبركا ، وتسكن نفوسنا بزيادة اليقين
[ ونعلم أن قد صدقتنا ] أى ونعلم علما يقينا لا يحوم حوله شائبة من الشك ، بصدقك في دعوى النبوة
[ ونكون عليها من الشاهدين ] أى نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس
[ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ] أجابهم عيسى الى سؤال المائدة لإلزامهم بالحجة الدامغة . . وروي أنه لما أراد الدعاء لبس جبة شعر ، ورداء شعر ، وقام يصلي ويدعو ربه ويبكى. قال ابو السعود : نادى عيسى ربه مرتين : مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات ، ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية اظهارا لغاية التضرع
[ تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ] أى يكون يوم فرح وسرور لنا ولمن يأتي بعدنا
[ واية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ] أى ودلالة وحجة شاهدة على صدق رسولك ، وارزقنا يا الله فإنك خير من يعطى ويرزق ، لأنك الغنى الحميد
[ قال الله إني منزلها عليكم ] أي أجاب الله دعاءه ، فقال إني سأنزل عليكم هذه المائدة من السماء
[ فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ] أى من كفر بعد تلك الآية الباهرة ، فسوف أعذبه عذابا شديدا ، لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدا من البشر ، وفي الحديث (أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يدخروا لغد ، ولا يخونوا ، فخانوا وإدخروا ، ورفعوا لغد ، فمسخوا قردة وخنازير) قال في التسهيل : جرت عادة الله عز وجل بعقاب من كفر بعد إقتراح آية فأعطيها ، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازيز
[ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس إتخذوني وأمي إلهين من دون الله ] هذا من باب عطف القصة على القصة عطفت على قصة الحواريين [ إذ قال الحواريون ] [ وإذ قال الله يا عيسى ] قال ابن عباس : هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رءوس الخلائق ، ليعلم الكفار أنهم كانوا على باطل والمعنى : اذكر للناس يوم يخاطب الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم في الآخرة توبيخا للكفرة ، وتبكيتا لهم قائلا : يا عيسى أأنت دعوت الناس الى عبادتك والإعتقاد بألوهيتك ، وألوهية أمك ؟! قال القرطبي : إنما سأله عن ذلك توبيخا لمن إدعى ذلك عليه ، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب ، وأشد في التوبيخ والتقريغ
[ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ] أى أنزهك عما لا يليق بك يا رب ، فما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله
[ إن كنت قلته فقد علمته ] أى إن كان ذلك صدر مني ، فإنك لا يخفى عليك شيء ، وأنت العالم بأني لم اقله ، وهذا إعتذار وبراءة من ذلك القول ، ومبالغة في الأدب وإظهار الذلة والمسكنة في حضرة
ذي الجلال
[ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ] أى تعلم حقيقة ذاتي وما إنطوت عليه ولا أعلم حقيقة ذاتك وما إحتوت عليه ، من صفات الكمال ، إنك أنت العالم بالخفايا والنوايا ، وعلمك محيط بما كان وما يكون
[ ما قلت لهم الا ما أمرتني به ] أى ما أمرتهم إلا بما أمرتنى به ، قال الرازي : وضع القول موضع الامر ، [ ما قلت لهم ] نزولا على موجب الأدب ، لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا
[ ان اعبدوا الله ربي وربكم ] أى قلت لهم : اعبدوا الله خالقي وخالقكم ، فأنا عبد مثلكم
[ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ] أى كنت شاهدا على اعمالهم حين كنت بين أظهرهم
[ فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم ] أى فلما قبضتني إليك بالرفع الى السماء ، كنت يا الله أنت الحفيظ لأعمالهم ، والشاهد على أفعالهم
[ وأنت على كل شيء شهيد ] أى وأنت المطلع على كل شيء لا يخفى عليك شيء
[ إن تعذبهم فإنهم عبادك ] أى إن تعذبهم فأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت ، لا إعتراض عليك
[ وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ] أى وإن تغفر لمن تاب منهم ، فإنك أنت الغالب على امره (الحكيم ) في صنعه
[ قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ] أى يوم القيامة ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم لأنه يوم الجزاء
[ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ] أى لهم جنات تجري من تحت غرفها وقصورها أنهار الجنة ، ماكثين فيها لا يخرجون منها أبدا
[ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ] أى نالوا رضوان الله لصدقهم ، ورضوا عن الله فيما اثابهم واكرمهم به ، ذلك هو الظفر والفوز الكبير بجنات النعيم
[ لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ] أي الجميع ملكه وتحت قهره ومشيئته ، وهو القادر على كل شيء ، لا يعجزه شىء في الأرض ولا في السماء.
تنبيه :
روى الإمام مسلم في صحيحه (أن النبي (ص) تلا قول الله عز وجل في إبراهيم [ ربى إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ] وقول عيسى [ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ] فرفع يديه وقال : اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى يا جبريل : إذهب الى محمد - وربك أعلم - فإسأله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فساله فأخبره رسول الله (ص) بما قال وهو أعلم ، فقال الله يا جبريل : إذهب الى محمد فقل له : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك " .
|