|
سورة القصص
مكية وآياتها ثمان وثمانون آية
بين يدي السورة
* سورة القصص من السور المكية التي تهتم بجانب العقيدة (التوحيد ، والرسالة ، والبعث ) وهي تتفق في منهجها وهدفها مع سورتي (النمل ، والشعراء) كما أتفقت في جو النزول ، فهي تكمل أو تفضل ما أجمل في السورتين قبلها.
* محور السورة الكريمة يدور حول فكرة (الحق ) و(الباطل ) ومنطق الإذعان والطغيان ، وتصور قصة الصراع بين جند الرحمن ، وجند الشيطان ، وقد ساقت في سبيل ذلك قصتين : أولاهما قصة الطغيان بالحكم والسلطان ، ممثلة في قصة " فرعون " الطاغية المتجبر ، الذي أذاق بني إسرائيل سوء العذاب ، فذبح الأبناء ، واستحيا النساء ، وتكبر على الله حتى تجرأ على ادعاء الربوبية فقال [ ما علمت لكم من إله غيري ] والثانية : قصة الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال ممثلة في (قارون ) مع قومه ، وكلا القصتين رمز إلى طغيان الإنسان في هذه الحياة ، سواء بالمال ، أو الجاه ، أو السلطان .
* ابتدأت السورة بالحديث عن طغيان فرعون ، وعلوه وفساده في الأرض ، ومنطق الطغيان في كل زمان ومكان . [ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا . . ] الآيات
* ثم انتقلت إلى الحديث عن ولادة موسى وخوف أمه عليه من بطش فرعون ، وإلهام الله تعالى لها بإلقائه في البحر ، ليعيش معززا مكرما في حجر فرعون ، كريحانة زكية تنبت وسط الأشواك والأوحال [ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم . . ] الآيات .
* ثم تحدثت عن بلوغ (موسى) سن الرشد ، وعن قتله للقبطي ، وعن هجرته إلى أرض مدين ، وتزوجه بابنة شعيب ، وتكليف الله له بالعودة إلى مصر لدعوة فرعون الطاغية إلى الله ، وما كان من أمر موسى مع فرعون بالتفصيل إلى أن أغرقه الله في البحر ، وتحدثت عن كفار مكة ، ووقوفهم في وجه الرسالة المحمدية ، وبينت أن مسلك أهل الضلال واحد! ، ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قارون ، وبينت الفارق العظيم بين منطق الإيمان ، ومنطق الطغيان [ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ه وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة . . ] الآيات .
* وختمت السورة الكريمة بالإرشاد إلى طريق السعادة ، وهو طريق الإيمان الذي دعا إليه الرسل الكرام [ من جاء بالحسنة فله خير منها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ] الآيات .
التسمية :
سميت سورة " القصص " لأن الله تعالى ذكر فيها قصة موسى مفصلة موضحة ، من حين ولادته إلى حين رسالته ، وفيها من غرائب الأحداث العجيبة ما يتجلى فيه بوضوح ، عناية الله بأوليائه ، وخذلانه لأعدائه .
اللغة :
[ شيعا ] فرقا وأصنافا
[ يستحيى ] يتركه حيا ولا يقتله
[ نمن ] نتفضل وننعم
[ اليم ] البحر
[ فارغا ] خاليا
[ آلمراضع ] جمع مرضع ، وأما المرضعة فجمعها مرضعات ، وهي التي ترضع الطفل اللبن
[ عن جنب ] عن بعد ، ومنه الأجنبي للبعيد غير القريب
[ وكزه ] الوكز : الضرب بجمع الكف أى بكفه مجموعة ، قال أهل اللغة : الوكز واللكز كلاهما بمعنى واحد وهو الضرب بجمع الكف على الصدر ، وقيل : الوكز في الصدر ، واللكز في الظهر ، ومعنى جمع الكف : الكف المقبوضة الأصابع
[ ظهيرا ] عونا
[ يستصرخه ] يستغيثه ، والاستصراخ الاستغاثة وهو من الصراخ لأن المستغيث يصرخ ويرفع صوته طلبا للغوث ، قال الشاعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصراخ له قرع الظنابيب
[ يبطش ] البطش : الأخذ بالشدة والعنف ، بطش يبطش بالكسر والضم .
التفسير :
[ طسم ] الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم ، والإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه ، مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية
[ تلك آيات الكتاب المبين ] أى هذه آيات القرآن الواضح الجلى ، الظاهر في إعجازه ، الواضح في تشريعه وأحكامه
[ نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ] أى نقرأ عليك يا أيها الرسول بواسطة الروح الأمين ، من الأخبار الهامة عن موسى وفرعون ، من الحق الذي لا يأتيه الباطل ، والصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب
[ لقوم يؤمنون ] أى لقوم يصدقون بالقرآن فينتفعون . . ثم بدأ تعالى بذكر قصة فرعون الطاغية فقال :
[ إن فرعون علا فى الأرض ] أى استكبر وتجبر ، وجاوز الحد في الطغيان ، في أرض مصر
[ وجعل أهلها شيعا ] أى جعل أهلها فرقا وأصنافا ، في استخدامه وطاعته
[ يستضعف طائفة منهم ] أى يستعبد ويستذل فريقا منهم ، وهم (بنو إسرائيل ) فيسومهم سوء العذاب
[ بذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ] أى يقتل أبناءهم الذكور ، ويترك الإناث على قيد الحياة ، لخدمته وخدمة الأقباط ، قال المفسرون : سبب تقتيله الذكور أن فرعون رأى في منامه ، أن نارا عظيمة أقبلت من بيت المقدس وجاءت إلى أرض مصر ، فأحرقت القبط دون بني اسرائيل ، فسأل عن ذلك المنجمين والكهنة ، ققالوا له : إن مولودا يولد فى بني إسرائيل ، يذهب ملكك على يديه ، ويكون هلاكك بسببه ، فأمر أن يقتل كل ذكر من أولاد بني إسرائيل
[ إنه كان من المفسدين ] أى من الراسخين في الفساد ، المتجبرين في الأرض ، ولذلك ادعى الربوبية وأمعن في القتل وإذلال العباد
[ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ] أى ونريد برحمتنا أن نتفضل وننعم على المستضعفين من بني إسرائيل ، فننجيهم من بأس فرعون وطغيانه
[ ونجعلهم أئمة ] أى ونجعلهم ائمة يقتدى بهم قي الخير ، بعد أن كانوا أذلاء مسخرين ، قال ابن عباس : [ أئمة ] قادة في الخير ، وقال قتادة : ولاة وملوكا
[ ونجعلهم الوارثين ] أي ونجعل هؤلاء الضعفاء ، وارثين لملك فرعون وقومه ، يرثون ملكهم ويسكنون مساكنهم ، بعد أن كان القبط أسياد مصر وأعزتها
[ ونمكن لهم في الأرض ] أى ونملكهم بلاد مصر والشام ، يتصرفون فيها كيف يشاءون ، قال البيضاوي : أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانا يتمكن فيه ، ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر
[ ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ] أى ونري فرعون الطاغية ، ووزيره " هامان " والأقباط من أولئك المستضعفين ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم ، وهلاكهم على يد مولود من بني إسرائيل
[ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ] أى قذفنا في قلبها بواسطة الإلهام ، قال ابن عباس : وهو وحي إلهام ، وقال مقاتل : أخبرها جبريل بذلك ، قال القرطبي : قعلى قول " مقاتل " هو وحي إعلام لا إلهام ، واجمع الكل على أنها لم تكن نبية ، وإنما إرسال الملك إليها ، على نحو تكليم (الملك ) للأقرع والأبرص والأعمى ، كما في الحديث المشهور ، وكذلك تكليم الملائكة للناس من غير نبوة ، وقد سلمت على (عمران بن حصين ) فلم يكن نبيا
[ فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ] أى فإذا خفت عليه من فرعون فاجعليه في صندوق ، وألقيه في البحر ( بحر النيل )
[ ولا تخافي ولا تحزني ] أى لا تخافي عليه الهلاك ، ولا تحزني لفراقه
[ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ] أى فإنا سنرده إليك ، ونجعله رسولا نرسله إلى هذا الطاغية ، لننجي بني إسرائيل على يديه
[ فألتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ] أى فأخذه وأصابه أعوان فرعون ، لتكون عاقبة الأمر أن يصبح لهم عدوا ، ومصدر حزن وبلاء وهلاك ، قال القرطبي : اللام في (ليكون ) لام العاقبة ولام الصيرورة ، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين ، فكان عاقبة ذلك أن صار لهم عدوا وحزنا ، فذكر الحال بالمال ، كما قال الشاعر : وللمنايا تربي كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها
[ إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ] أى كانوا عاصين مشركين آثمين ، قال العلماء : الخاطىء من تعمد الذنب والإثم ، والمخطىء من فعل الذنب عن غير تعمد
[ وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك ] أى قالت زوجة فرعون لفرعون : هذا الغلام فرحة ومسرة لي ولك ، لعلنا نسر به فيكون قرة عين لنا ، قال الطبري : ذكر أن المرأة لما قالت هذا القول لفرعون قال لها : أما لك فنعم ، وأما لي فليس بقرة عين ، وقال ابن عباس : لو قال : قرة عين لي ، لهداه الله به ، ولآمن ولكنه أبى
[ لا تقتلوه ] أى لا تقتله يا فرعون ، خاطبته بلفظ الجمع كما يخاطب الجبارون تعظيما له ، ليساعدها فيما تريد
[ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ] عسى أن ينفعنا فى الكبر ، أو نتبناه فنجعله لنا ولدا ، تقر به عيوننا ، قال المفسرون : وكانت لا تلد فاستوهبت (موسى) من فرعون فوهبه لها ، قال تعالى :
[ وهم لا يشعرون ] أى وهم لا يشعرون أن هلاك فرعون وزبانيته ، سيكون على يديه وبسببه
[ وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ] أى صار قلبها خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى ، وقيل المعنى : طار عقلها من فرط الجزع والغم ، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون
[ إن كادت لتبدي به ] أى إنها كادت أن تكشف أمره ، وتظهر أنه ابنها من شدة الوجد والحزن ، قال ابن عباس : كادت تصيح واإبناه ، وذلك حين سمعت بوقوعه في يد فرعون
[ لولا أن ربطنا على قلبها ] أى لولا أن ثبتناها وألهمناها الصبر
[ لتكون من المؤمنين ] أى لتكون من المصدقين بوعد الله برده عليها
[ وقالت لأخته قصيه ] أى قالت أم موسى لأخت موسى : اتبعى أثره حتى تعلمى خبره ، قال مجاهد ؟ قصي أثره وأنظري ماذا يفعلون به ؟
[ فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ] أى فأبصرته عن بعد ، وهم لا يشعرون أنها أخته ، لأنها كانت تمشي على ساحل البحر ، حتى وصل الصندوق إلى بيت فرعون ، وهي ترقبه مستخفية عنهم
[ وحرمنا عليه المراضع من قبل ] أى ومنعنا موسى أن يقبل ثدي أى مرضعة من المرضعات ، اللاتي أحضروهن لإرضاعه من قبل مجيء أمه ، قال المفسرون : بقي أياما كلما أتي بمرضع لم يقبل ثديها ، فأهمهم ذلك واشتد عليهم الأمر ، فخرجوا به يبحثون له عن مرضعة خارج القصر ، فرأوا أخته
[ فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ] أى هل أدلكم على مرضعة له تكفله وترعاه ؟
[ وهم له ناصحون ] أى لا يقصرون في إرضاعه وتربيته ، قال السدي : فدلتهم على أم موسى ، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها ، والصبى على يد فرعون يعلله شفقة عليه ، وهو يبكي يطلب الرضاع ، فدفعه إليها فلما وجد ريح أمه قبل ثديها ، فقال فرعون : من أنت منه ، أبى كل ثدي إلا لديك ؟ فقالت : إني امرأة طيبة الريح ، طيبة اللبن ، لا أكاد أوتى بصبي إلا قبلني ، فدفعه إليها ، فرجعت إلى بيتها من يومها ، ولم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها ، وأتحفها بالهدايا والجواهر ، فذلك قوله تعالى :
[ فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ] أى أعدناه إليها تحقيقا للوعد ، كي تسعد وتهنأ بلقائه ، ولا تحزن على فراقه
[ ولتعلم أن وعد الله حق ] أى ولتتحقق من صدق وعد الله برده عليها ، وحفظه من شر فرعون
[ ولكن أكثرهم لا يعلمون ] أى ولكن أكثر الناس يرتابون ، ويشكون في وعد الله القاطع
[ ولما بلغ أشده واستوى ] أى ولما بلغ كمال الرشد ، ونهاية القوة ، وتمام العقل والاعتدال ، قال مجاهد : هو سن الأربعين
[ آتيناه حكما وعلما ] أى أعطيناه الفهم والعلم ، والتفقه في الدين مع النبؤة
[ وكذلك نجزي المحسنين ] أى ومثل هذا الجزاء الكريم ، نجازي المحسنين على إحسانهم
[ ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ] أى دخل مصر وقت الظهيرة ، والناس يخلدون للراحة عند القيلولة
[ فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه ] أى فوجد شخصين يتقاتلان : أحدهما من بني إسرائيل من جماعة موسى ، والآخر قبطى من جماعة فرعون
[ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي هو عدوه ] أى فاستنجد الإسرائيلي بموسى ، وطلب غوثه ليدفع عنه شر القبطي
[ فوكزه موسى فقضى عليه ] أى ضربه موسى بجمع كفه فقتله ، قال القرطبي : فعل موسى ذلك ، وهو لا يريد قتله ، إنما قصد دفعه فكانت فى إزهاق نفسه وكانت القاضية
[ قال هذا من عمل الشيطان ] أى قال موسى : هذا من إغواء الشيطان ، فهو الذي هيج غضبي حتى ضربته فقتلته
[ إنه عدو مضل مبين ] أى إن الشيطان عدو لابن آدم ، مضل له عن سبيل الرشاد ، ظاهر العداوة ، قال الصاوي : نسبه إلى الشيطان من حيث إنه لم يؤمر بقتل القبطي ، وظهر له أن قتله خلاف الأولى ، لما يترتب عليه من الفتن ، والشيطان تفرحه الفتن ولذلك ندم على فعله
[ قال رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لي ] أى إني ظلمت نفسي بقتل النفس ، فأعف عني ، ولا تؤاخذني بخطيئتي
[ فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ] أى إنه تعالى المبالغ في المغفرة للعباد ، الواسع الرحمة لهم
[ قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ] أى بسبب إنعامك على بالقوة ، وبحق ما أكرمتني به من الجاه والعز ، فلن أكون عونا لأحد من المجرمين) ، وهذه معاهدة عاهد موسى ربه عليها
[ فأصبح في المدينة خائفا بترقب ] أى فأصبح موسى في المدينة التي قتل فيها القبطي ، خائفا على نفسه ، يتوقع وينتظر المكروه ، ويخاف أن يؤخذ بجريرته
[ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ] أى فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي خلصه بالأمس ، يقاتل قبطيا آخر ، فلما رأى موسى أخذ يصيح به مستغيثا لينصره من عدوه
[ قال له موسى إنك لغوى مبين ] أى قال موسى للإسرائيلي : إنك لبين الغواية والضلال ، فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه من قتل رجل بسببك ، وتريد أن توقعني اليوم في ورطة أخرى ؟
[ فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ] أى فحين أراد موسى أن يبطش بذلك القبطي ، الذي هو عدو له وللإسرائيلي
[ قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسأ بالأمس ] أى قال القبطي : أتريد قتلي كما قتلت غيري بالأمس (( هذا هو الظاهر أن القائل هو القبطي لا الاسرائيلي لأن قوله : {إن تريد إلا أن تكون جبارا} لا يصدر من المؤمن وإنما من الكافر ))
[ إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ] أى ما تريد يا موسى إلا أن تكون من الجبابرة المفسدين في الأرض
[ وما تريد أن تكون من المصلحين ] أى وما تريد أن تكون من الذين يصلحون بين الناس ، ويعملون على التوقيع بين المتخاصمين .
البلاغة :
تضمنت الآيات من وجوه البيان والبديع ما يلي :
1 - الإشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبته في الكمال [ تلك آيات الكتاب المبين ] .
2 - حكاية الحالة الماضية [ ونريد أن نمن ] لاستحضار تلك الصورة في الذهن .
3 - إيثار الجملة الاسمية على الفعلية [ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ] ولم يقل سنرده ونجعله رسولا ، وذلك للإعتناء بالبشارة لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار .
4 - الاستعارة البديعة [ لولا أن ربطنا على قلبها ] شبه ما قذف الله في قلبها من الصبر ، بربط الشيء المنفلت خشية الضياع ، واستعار لفظ الربط للصبر ، أى لولا أن صبرناها ، على طريقة الاستعارة التمثيلية .
5 - صيغة التعظيم [ لا تقتلوه ] تخاطب فرعون ولم تقل لا تقتله تعظيما له .
6 - صيغة المبالغة [ جبار ، غوى ، مبين ] لأن فعال وفعيل من صيغ المبالغة .
7 - الطباق المعنوي [ جبارا . . وما تريد أن تكون من المصلحين ] لأن الجبار المفسد المخرب ، المكثر للقتل وسفك الدماء ففيه طباق في المعنى.
8 - الاستعطاف [ رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ] .
9 - توافق الفواصل قي كثير من الآيات مثل [ وهم لا يشعرون ] [ وهم له ناصحون ] [ ولكن أكثرهم لا يعلمون ] وهو من المحسنات البديعية .
لطيفة :
" حكى العلامة القرطبي عن الأصمعي أنه قال : سمعت جارية أعرابية تنشد : أستغفرالله لذنبى كله قتلت إنسانا بغيرحله معل الغزال ناعما في دله انتصف الليل ولم أصله فقلت لها : قاتلك الله ما أفصحك ؟ فقالت : ويحك ، أو يعد هذا فصاحة مع قول الله عز وجل [ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ، ولا تخافي ولا تحزني ، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ] فقد جمع في آية واحدة بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين .
قال الله تعالى : [ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى . ] إلى قوله [ ويوم القيامة هم من المقبوحين ] من آية ( 20) إلى نهاية آية (42 ) .
المناسبة :
لا تزال الآيات تتحدث عن قصة موسى ، وقد تناولت الآيات السابقة قصة ولادته وإرضاعه ، وتربيته في بيت فرعون ، إلى أن شب وبلغ سن الرشد والكمال ، ثم قتله للفرعوني ، وتتحدث الآيات هنا عن هجرته إلى أرض مدين ، وتزوجه بابنة شعيب ، ثم عودته إلى مصر ، ونزول النبوة عليه ، وهلاك فرعون على يديه .
اللغه :
[ يأتمرون ] يتشاورون قال الأزهري : ائتمر القوم وتآمروا أى أمر بعضهم بعضا
[ تذودان ] ذاد يذود إذا حبس ومنع ، وذاد طرد ، قال الشاعر : لقد سلبت عصاك بنوتميم فما تدري بأي عصى تذود
[ خطبكما ] الخطب : الشأن ، قال رؤبة : " يا عجبا ما خطبه وخطبي ،
[ آلرعاء ] جمع راع مثل صاحب وصحاب ، وهو الذي يرعى الغنم
[ حجج ] جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة
[ جذوة ] الجذوة : الجمرة الملتهبة
[ ردءا ] عونا قال الجوهري : أرداته أعنته ، وكنت له ردءا أى عونا ،
[ المقبوحين ] الهالكين المبعدين ، أو القبيحين في الصورة يقال : قبحه الله وقبحه إذا جعله قبيحا .
التفسير :
[ وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى ] أى وجاء رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ، من أبعد أطراف المدينة ، يشتد ويسرع في مشيه ، قال ابن عباس : هذا الرجل هو مؤمن من آل فرعون
[ قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ] أى قال لنبى الله موسى : إن أشراف فرعون ، ووجوه دولته يتشاورون فيك بقصد قتلك
[ فاخرج إني لك من الناصحين ] أى فاخرج قبل أن يدركوك ، فأنا ناصح لك من الناصحين
[ فخرج منها خائفا يترقب ] أى فخرج موسى من مصر خائفا على نفسه ، يترقب ويخشى الطلب ، أن يدركه فيأخذه ، ثم التجأ إلى الله سبحانه بالدعاء ، لعلمه بأنه لا ملجأ سواه
[ قال رب نجني من القوم الظالمين ] أى خلصني من الكافرين ، واحفظني من شرهم - ومراده فرعون وملؤه -
[ ولما توجه تلقاء مدين ] أى قصد بوجهه ناحية مدين ، وهي بلدة شعيب عليه السلام
[ قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ] أى لعل الله يرشدني إلى الطريق السوي ، الذي يوصلني إلى مقصودي ، قال المفسرون : خرج خائفا بغير زاد ولا ظهر - مركب - وكان بين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام ، ولم يكن له علم بالطريق ، سوى حسن ظنه بربه ، فبعث الله إليه ملكا فأرشده إلى الطريق ، وكان قد اشتد به الجوع ، ولما وصل مدين كانت خضرة البقل تتراءى من بطنه من الهزال ، لأنه كان في الطريق يتقوت ورق الشجر
[ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ] أى ولما وصل إلى مدين بلدة شعيب ، وجد على البئر الذي يستقي منه الرعاة ، جمعا كثيفا من الناس يسقون مواشيهم
[ ووجد من دونهم امرأتين تذودان ] أي ووجد غير الجماعة الرعاة ، امرأتين تكفان غنمهما عن الماء
[ قال ما خطبكما ] ؟ أى ما شأنكما تمنعان الغنم عن ورود الماء ؟ ولم لا تسقيان مع السقاة ؟
[ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ] أى من عادتنا التأني حتى ينصرف الرعاة مع أغنامهم ، ولا طاقة لنا على مزاحمة الأقوياء ، ولا نريد مخالطة الرجال ، وأبونا رجل مسن ، لا يستطيع لضعفه أن يباشر سقاية الغنم ، ولذلك اضطررنا إلى أن نسقي بأنفسنا ، قال أبو حيان : فيه اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي ، بأنفسهما ، وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي ، لشيخوخته وكبره ، واستعطاف لموسى في إعانتهما
[ فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ] أى فسقى لهما غنمهما رحمة بهما ، ثم تنحى جانبا فجلس تحت ظل شجرة
[ فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ] أى إني يا رب محتاج إلى فضلك وإحسانك ، وإلى الطعام الذي أسد به جوعي ، طلب من الله ما يأكله ، وكان قد اشتد عليه الجوع ، قال الضحاك : مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاما إلا بقل الأرض وقال ابن عباس : سار موسى من مصر إلى مدين ) ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر ، وكان حافيا فما وصل إلى مدين ، حتى سقطت نعل قدميه ، وجلس في الظل - وهو صفوة الله من خلقه - وأن بطنه للاصق بظهره من الجوع ، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه ، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة
[ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ] في الكلام اختصار تقديره : فذهبتا إلى أبيهما سريعتين ، وكان من عادتهما الإبطاء ، فحدثتاه بما كان من أمر الرجل ، فأمر إحداهما أن تدعوه له ، فجاءته تمشي . . إلخ أى جاءته حال كونها تمشي مشية الحرائر ، بحياء وخجل ، قد سترت وجهها بثوبها ، قال عمر : لم تكن بسلفع من النساء خراجة ولاجة (( والسلفع : الجريئة السليطة الجسور ، أفاده الجوهري ))
[ قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ] أى إن أبي يطلبك ليعوضك عن أجر السقاية لغنمنا ، قال ابن كثير : وهذا تأدب في العبارة ، لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة
[ فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ] أى فلما جاءه موسى ، وذكر له ما كان من أمره ، وسبب هربه من مصر ، قال له شعيب : لا تخف فأنت في بلد آمن ، لا سلطان لفرعون عليه ، وقد نجاك الله من كيد المجرمين
[ قالت إحداهما يا أبت استأجره ] أى استأجره لرعي أغنامنا وسقايتها
[ إن خير من استأجرت القوي الأمين ] أى إن أفضل من تستأجره من كان قويا أمينا ، قال ابو حيان : وقولها كلام حكيم جامع ، لأنه إذا اجتمعت الكفاية والأمانة في القائم بأمر من الأمور فقد تم المقصود ، روي أن شعيبا مال لها : وما أعلمك بقوته وأمانته ؟ فقالت : إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال ، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي : كوني من ورائي ودليني على الطريق ، ولما أتيته خفض بصره فلم ينظر إلى ، فرغب شعيب في مصاهرته وتزويجه بإحدى بناته
[ قال إني أريد أن أنكحك إحدى إبنتي هاتين ] أى إني أريد أن أزوجك إحدى بنتى هاتين ، الصغرى أو الكبرى
[ على أن تأجرني ثماني حجج ] أى بشرط أن تكون أجيرا لي ثمان سنين ترعى فيها غنمي
[ فإن أتممت عشرا فمن عندك ] أى فإن أكملتها عشر سنين ، فذلك تفضل منك ، وليس بواجب عليك
[ وما أريد أن أشق عليك ] أى وما أريد أن أوقعك في المشقة باشتراط العشر
[ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ] أى ستجدني إن شاء الله حسن المعاملة ، لين الجانب ، وفيا بالعهد ، قال القرطبي : في الآية عرض الولي ابنته على الرجل ، وهذه سنة قائمة ، عرض شعيب ابنته على موسى ، وعرض عمر ابنته " حفصة ، على أبي بكر وعثمان ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي (ص) فمن الحسن عرض الرجل وليته على الرجل الصالح ، اقتداء بالسلف الصالح
[ قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على ] أى قال موسى : إن ما قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعا لا نخرج عنه ، وأى المدتين الثمانية أو العشرة أديتها لك ، فلا إثم ولا حرج على
[ والله على ما نقول وكيل ] أى والله شاهد على ما تعاهدنا وتواثقنا عليه
[ فلما قضى موسى الأجل ] أى فلما أتم موسى المدة التي اتفقا عليها ، قال ابن عباس : قضى أتم الأجلين وأكملهما وأوفاهما وهو عشر سنين
[ وسار بأهله ] أى ومشى بزوجته مسافرا بها إلى مصر ] أنس من جانب الطور نارا ] أى أبصر من بعيد نارا تتوهج ، من جانب جبل الطور
[ قال لأهله امكثوا إني أنست نارا ] أى قال لزوجته : أمكثى هنا فقد أبصرت نارا عن بعد ، قال المفسرون : كانت ليلة باردة وقد أضلوا الطريق ، وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته ، وأخذ أهله الطلق ، قعند ذلك أبصر نارا بعيدة ، فسار إليها لعله يجد من يدله على الطريق ، فذلك قوله تعالى :
[ لعلي أتيكم منها بخبر ] أى لعلي أتيكم بخبر الطريق ، وأرى من يدلني عليه
[ أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ] أى أو أتيكم بشعلة من النار لعلكم تستدفئون بها
[ فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ] أي فلما وصل إلى مكان النار ، لم يجدها نارا وإنما وجدها نورا ، وجاءه النداء من جانب الوادي الأيمن ، في ذلك المكان المبارك من ناحية الشجرة
[ أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ] أى نودي يا موسى إن الذي يخاطبك ويكلمك ، هو أنا الله العظيم الكبير ، المنزه عن صفات النقص ، رب الإنس والجن والخلائق أجمعين
[ وأن ألق عصاك ] أى ونودي بأن اطرح عصاك التي في يدك
[ فلما رأها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ] أى فألقاها فانقلبت إلى حية ، فلما رأها تتحرك كأنها ثعبان خفيف سريع الحركة ، انهزم هاربا منها ولم يلتفت إليها ، قال ابن كثير : انقلبت العصا إلى حية ، وكانت كأنها جان في حركتها السريعة مع عظم خلقتها ، واتساع فمها ، واصطكاك أنيابها ، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها تنحدر في فمها تتقعقع ، كأنها حادرة في واد ، فعند ذلك ولى مدبرا ولم يلتفت ، لأن طبع البشرية ينفر من ذلك (( يقول سيد قطب عليه الرحمة والرضوان " وألقى موسى عصاه إطاعة لأمر مولاه ، ولكن ماذا حدث ؟ إنها لم تعد عصاه التي صاحبها طويلا والتي يعرفها معرفة اليقين ، ولكنها حية تدب في سرعة ، وتتحرك في خفة ، وتتلوى كصغار الحيات وهى حية كبرى ، إنها المفاجأة التي لم يستعد لها ، ولذلك ولى مدبرا ولم يعقب ، لم يفكر في العودة إليها ليتبين ماذا بها ، وليتأمل هذه العجيبة الضخمة ، ثم يستمع إلى ربه الأعلى {يا موسى أقبل ولا تخف انك من الأمنين } وكيف لا يأمن من ترعاه عين الله ؟ ثم يأتيه النداء مرة أخرى {اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} وأطاع موسى الأمر ، وأدخل يده فى فتحة ثوبه عند صدره ثم أخرجها ، فاذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة ، إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض ، وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة ، إنها إشارة إلى إشراق الحق ، ووضوح الآية ، ونصاعة الدليل " تفسير الظلال لسيد قطب ))
[ يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الأمنين ] أى فنودي يا موسى : ارجع إلى حيث كنت ، ولا تخف فأنت أمن من المخاوف ، فرجع وأدخل يده في فم الحية فعادت عصا
[ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ] أى أدخل يدك في جيب قميصك - وهو فتحة الثوب مكان دخول الرأس - ثم أخرجها تخرج مضيئة منيرة تتلألأ كأنها قطعة قمر ، في لمعان البرق ، من غير أذى ولا برص
[ واضمم إليك جناحك من الرهب ] قال ابن عباس : اضمم يدك إلى صدرك من الخوف يذهب عنك الرعب ، والمراد بالجناح اليد ، لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه ، وبذلك يذهب عنه الخوف من الحية ومن كل شيء
[ فذلك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ] أى فهذان - (العصا) و(اليد) - دليلان قاطعان ، وحجتان نيرتان واضحتان من الله تعالى تدلان على صدقك ، وهما آيتان إلى فرعون وأشراف قومه الطغاة المتجبرين
[ إنهم كانوا قوما فاسقين ] أي خارجين عن طاعتنا ، مخالفين لأمرنا
[ قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ] أى قال موسى : يا رب إني قتلت قبطيا من آل فرعون ، وأخشى إن أتيتهم أن يقتلوني به ، قال المفسرون : هو القبطي الذي وكزه فمات ، فطلب من ربه ما يزداد به قوة على مجابهة فرعون ، بارسال أخيه هارون معه فقال :
[ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ] أى هو أوضح بيانا ، وأطلق لسانا ، لأن موسى كان في لسانه حبسة من أثر الجمرة التي تناولها في صغره
[ فأرسله معى ردءا يصدقني ] أى فأرسله معي معينا يبين لهم عنى ما أكلمهم به ، بتوضيح الحجج والبراهين
[ إني أخاف أن يكذبون ] أى أخاف إن لم يكن لي وزير ولا معين أن يكذبوني ، لأنهم لا يكادون يفقهون عني ، قال الرازي : والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان ، وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له : صدقت ، أو يقول للناس : صدق موسى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ، ويجيب عن الشبهات ، ولجادل به الكفار
[ قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا ] أى أجابه تعالى إلى طلبه وقال له : سنقويك بأخيك ونعينك به ، ونجعل لكما غلبة وتسلطا على فرعون وقومه
[ فلا يصلون إليكما بآياتنا ] أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما ، بسبب ما أيدتكما به من المعجزات الباهرات
[ أنتما ومن اتبعكما الغالبون ] أى العاقبة لكما ولأتباعكما في الدنيا والآخرة ، وأنتم الغالبون على القوم المجرمين ، كقوله تعالى : [ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوى عزيز ]
[ فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ] أى فلما جاءهم موسى بالبراهين الساطعة ، والمعجزات القاطعة ، الدالة على صدقه وإنه رسول من عند الله
[ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ] أى ما هذا الذي جاءنا به موسى من العصا واليد ، إلا سحر مكذوب مختلق ، افتراه من قبل نفسه ونسبه إلى الله
[ وما سمعنا بهذا في أبائنا الأولين ] أى وما سمعنا بمثل هذه الدعوى -دعوى التوحيد - في أبائنا وأجدادنا السابقين
[ وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار ] أجمل موسى في جوابهم تلطفا في الخطاب ، وإيثارا لأحسن الوجوه في المجادلة معهم ، والمعنى : إن ما جئتكم به حق وهدى ، وليس بسحر ، وربي عالم بذلك يعلم أني محق وأنتم مبطلون ، ويعلم من تكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة
[ إنه لا يفلح الظالمون ] أى لا يسعد ولا ينجح من كان ظالما فاجرا ، كاذبا على الله
[ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إلها غيرى ] أى قال فرعون لأشراف قومه وسادتهم : ما علمت لكم إلها غيري ، فأنا الإله المعبود ، لا إله غيري ، قال ابن عباس : كان بين هذه القولة الفاجرة وبين قوله : [ أنا ربكم الأعلى ] أربعون سنة ، وكذب عدو الله بل علم أن له ربا هو خالقه وخالق قومه
[ فأوقد لي يا هامان على الطين فأجعل لي صرحا ] أى فأطبخ لي يا هامان الآجر ، فاجعل لي منه قصرا شامخا رفيعا
[ لعلي أطلع إلى إله موسى ] أى لعلي أرى وأشاهد إله موسى الذي زعم أنه ارسله ! ! قال ذلك على سبيل التهكم ، ولهذا قال بعده :
[ وإني لأظنه من الكاذبين ] أى وإني لأظن موسى كاذبا في ادعائه أن في السماء ربا ! ! قال تعالى :
[ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق ] أى وتكبر وتعظم فرعون وقومه عن الإيمان وتصديق موسى ، في أرض مصر ، بالباطل والظلم
[ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ] أي واعتقدوا أن لا بعث ولا نشور ، ولا حساب ولا جزاء
[ فأخدناه وجنوده فنبذناهم في اليم ] أى فأخذناه مع جنوده فطرحناهم في البحر ، وأغرقناهم فلم يبق منهم أحد
[ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ] أى فانظر يا محمد بعين قلبك ، نظر اعتبار ، كيف كان مآل هؤلاء الظالمين ، الذين بلغوا من الكفر والطغيان أقصى الغايات ؟
[ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ] أى وجعلناهم في الدنيا قادة وزعماء في الكفر ، يقتدي بهم أهل الضلال
[ ويوم القيامة لا ينصرون ] أى ويوم القيامة ليس لهم ناصر يدفع عنهم العذاب
[ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ] أى جعلنا اللعنة تلحقهم في هذه الحياة الدنيا ، من الله والملائكة والمؤمنين
[ ويوم القيامة هم من المقبوحين ] أى وفي الآخرة هم من المبعدين المطرودين من رحمة الله عز وجل .
البلاغة :
تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي :
1 - التأكيد بإن واللام [ إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ] مناسبة لمقتضى الحال .
2 - الاستعطاف والترحم [ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ] .
3 - جناس الاشتقاق بين قص والقصص [ وقص عليه القصص ] .
4 - التشبيه المرسل المجمل [ تهتز كأنها جان ] حذف منه وجه الشبه فأصبح مجملا ، والأصل : كأنها جان في الخفة وسرعة الحركة .
5 - الطباق بين [ يصدقني . . ويكذبون ] .
6 - الكناية [ واضمم إليك جناحك ] كنى عن اليد بالجناح ، لأنها للإنسان كالجناح للطائر
7 - المجاز المرسل [ سنشد عضدك بأخيك ] من إطلاق السبب وإرادة المسبب ، لأن شد العضد يستلزم شد اليد ، وشد اليد مستلزم للقوة ، قال الشهاب : ويمكن أن يكون من باب (الاستعارة التمثيلية) شبه حال موسى في تقويته بأخيه بحال اليد فى تقويتها بيد شديدة.
لطيفة :
قال الزمخشري : إنما قال : [ فأوقد لي يا هامان على الطين ] أى أوقد لي النار فأتخذ منه أجرا ، ولم يقل " اطبخ لي الآجر " لأن هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلو طبقته ، واشبه بكلام الجبابرة ، وهامان وزيره ومدبر رعيته .
قال الله تعالى : [ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى . . ] إلى قوله [ وله الحكم وإليه ترجعون ] . من آية (43 ) إلى نهاية آية ( 75) .
المناسبة :
بعد أن ذكر تعالى نعمته على بني إسرائيل ، بإهلاك فرعون رأس الطغيان وتخليصهم من شره ، ذكر هنا ما أنعم به عليهم من إنزال التوراة التى فيها الهدى والنور ، كما ذكر نعمته على العرب ، بإنزال القرآن العظيم خاتمة الكتب السماوية .
اللغة :
[ ثاويا ] مقيما وثوى بالمكان أقام به ، قال الشاعر : " لقد كان في حولي ثواء ثويته "
[ يدرءون ] يدفعون ، والدرء : الدفع وفي الحديث : " ادرءوا الحدود بالشبهات "
[ يجبى ] يجمع ، جبى الماء في الحوض جمعه ، والجابية : الحوض العظيم
[ بطرت ] البطر : الطغيان في النعمة
[ آلأنباء ] الأخبار جمع نبأ وهو الخبر الهام .
سبب النزول :
لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله (ص) : يا عم قل (لا إله إلا الله ) أشهد لك بها يوم القيامة! ! فقال أبو طالب : تولا أن تعيرني قريش يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع ، لأقررت بها عينك فأنزل الله عز وجل : [ إنك لا تهدي من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء ، وهو أعلم بالمهتدين ]
التفسير :
[ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ] اللام موطئة للقسم أى والله لقد أعطينا موسى التوراة ، من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله ، كقوم (نوح ، وعاد وثمود ، وقوم لوط ) وغيرهم من المكذبين لرسلهم
[ بصائر للناس ] أى ضياء لبني إسرائيل ، ونورا لقلوبهم يتبصرون بها الحقائق ، ويميزون بها بين الحق والباطل
[ وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ] أى وهدى من الضلالة ، ورحمة لمن آمن بها ، ليتعظوا بما فيها من المواعظ والإرشادات الإلهية
[ وما كنت بجانب الغربي ] أي وما كنت يا أيها الرسول بجانب الجبل الغربي ، وهو المكان الذي كلم الله تعالى به موسى
[ إذ قضينا إلى موسى الأمر ] أى حين أوحينا إلى موسى بالنبوة ، وأرسلناه إلى فرعون وقومه
[ وما كنت من الشاهدين ] أي وما كنت من الحاضرين في ذلك المكان ، ولكن الله أوحى إليك ذلك ليكون حجة وبرهانا على صدقك ، قال ابن كثير : يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد (ص) حيث أخبر بالغيوب الماضية ، خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم ، وهو رجل أمى لا يقرأ شيئا من الكتب ، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك ، والمعنى ما كنت حاضرا لذلك ولكن الله أوحاه إليك ، لتخبرهم بتلك المغيبات
[ ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ] أى ولكننا خلقنا أمما وأجيالا من بعد موسى ، قتطاول عليهم الزمان ، وطالت الفترة فنسوا ذكر الله ، وبدلوا وحرفوا الشرانع ، فأرسلناك يا محمد لتجدد أمر الدين ، قال أبو السعود : المعنى ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة ، فتمادى عليهم الأمر ، فتغيرت الشرائع والأحكام ، وعميت عليهم الأنباء ، فأوحينا إليك ، فحذف المستدرك اكتفاء بذكر الموجب
[ وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ] أى وما كنت يا محمد مقيما في أهل مدين ، فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه ، فتتلو ذلك على أهل مكة
[ ولكنا كنا مرسلين ] أى ولكنا أرسلناك في أهل مكة ، وأخبرناك بتلك الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها
[ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ] أى وما كنت أيضا بجانب جبل الطور ، وقت ندائنا لموسى وتكليمنا إياه
[ ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ] أى لم تشاهد شيئا من أخبار وقصص الأنبياء ، ولكنا أوحيناها إليك ، وقصصناها عليك ، رحمة من ربك ، لتخوف قوما ما جاءهم رسول قبلك يا محمد
[ لعلهم يتذكرون ] أى لعلهم يتعظون بما جئتهم به من الآيات البينات ، فيدخلوا في دينك ، قال المفسرون : المراد بالقوم الذين كانوا فى زمن الفترة بين (عيسى) و(محمد) صلوات الله عليهما وهي نحو من ستمائة سنة
[ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ] أى ولولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة ، بسبب كفرهم ومعاصيهم
[ فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ] أى فيقولوا عند ذلك ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا ، يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين بها ! ! قال القرطبى : وجواب [ لولا ] محذوف تقديره لما بعثنا الرسل ، وقال في التسهيل : [ لولا ] الأولى حرف امتناع ، و[ لولا ] الثانية عرض وتحضيض ، والمعنى : لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم ، لم نرسل الرسل ، وإنما أرسلناهم على وجه الأعذار ، وإقامة الحجة عليهم ، لئلا يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع إياك ونكون من المؤمنين . . ثم أخبر تعالى عن عناد المشركين وتعنتهم في رد الحق فقال سبحانه :
[ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ] أى فلما جاء أهل مكة الحق المبين ، وهو محمد بالقرآن المعجز من عندنا ، قالوا - على وجه التعنت والعناد - : هلا أعطي محمد من الآيات الباهرة ، والحجج القاهرة مثل ما أعطي موسى من العصا واليد! ! قال تعالى ردا عليهم :
[ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ؟ ] أى أو لم يكفر البشر ، بما أوتي موسى من تلك الآيات الباهرة ؟! قال مجاهد : أمرت اليهود قريشا أن يقولوا لمحمد : ائتنا بمثل ما جاء به موسى من المعجزات ، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى ) ، فالضمير في [ أو لم يكفروا ] لليهود ، وهذا اختيار ابن جرير ، وقال أبو حيان : ويظهر عندي أن الضمير عائد على قريش ، الذين قالوا لولا أوتي محمد مثل ما أوتي موسى ، وذلك أن تكذيبهم لمحمد (ص) تكذيب لموسى ، ونسبتهم السحر للرسول نسبة السحر لموسى ، إذ الأنبياء من واد واحد ، فمن نسب إلى احد من الأنبياء ما لا يليق ، كان ناسبا ذلك إلى جميع الأنبياء ، وتتناسق حينئذ الضمائر كلها
[ قالوا سحران تظاهرا ] أى وقال المشركون : ما (التوراة) و(القرآن ) إلا من قبيل السحر ، فهما سحران تعاونا بتصديق كل واحد منهما الاخر ، قال السدي : صدق كل واحد منهما الآخر
[ وقالوا إنا بكل كافرون ] أى إنا بكل من الكتابين كافرون ، وهذا تصريح بكفرهم بهما ، وذلك لغاية عتوهم وتماديهم في الكفر والطغيان
[ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ] أمر على وجه التعجيز ، أى قل لهم يا محمد : إنكم إذ كفرتم بهذين الكتابين ، مع ما تضمنا من الشرائع والأحكام ، ومكارم الأخلاق ، فأتوني بكتاب منزل من عند الله أهدى منهما وأصلح أتمسك به ؟
[ إن كنتم صادقين ] أى في أنهما سحران ، قال ابن كثير : وقد علم بالضرورة لذوي الألباب ، أن الله تعالى لم ينزل كتابا من السماء ، أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ، من الكتاب الذي أنزله على محمد (ص) وهو القرآن ، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى ، وهو الكتاب الذي قال فيه : [ إنا أنزلنا التورآة فيها هدى ونور ] والإنجيل إنما أنزل متمما ومجلا لبعض ما حرم على بني إسرائيل
[ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ] أى فإن لم يجيبوك إلى ما طلبته منهم ، فاعلم أن كفرهم عناد واتباع للأهواء لا بحجة وبرهان
[ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ] أى لا أحد أضل ممن اتبع هواه ، بغير رشاد ولا بيان من الله
[ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ] أى لا يوفق للحق من كان معاندا ظالما ، بالانهماك فى اتباع الهوى ، والإعراض عن سبيل الهدى
[ ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ] أى ولقد تابعنا ووالينا لقريش القرآن ، يتبع بعضه بعضا ، وعدا ووعيدا ، وقصصا وعبرا ونصائح ومواعظ ، ليتعظوا ولتذكروا بما فيه ، قال ابن الجوزي : المعنى : أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا ويخبر عن الأمم الخالية كيف عذبوا لعلهم يتعظون
[ الذين أتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ] أى الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل ، من قبل هذا القرآن - من مسلمي أهل الكتاب - هم بهذا القرآن يصدقون ، قال ابن عباس : يعني من آمن بمحمد (ص) من أهل الكتاب
[ وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ] أى وإذا قرىء عليهم القرآن ، قالوا صدقنا بما فيه
[ إنا كنا من قبله مسلمين ] أى كنا من قبل نزوله موحدين لله ، مستسلمس لأمره ، مؤمنين بأن الله سيبعث محمدا وينزل عليه القرآن ، قال تعالى :
[ أولئك يؤتون أجرهم مرتين ] أى أولئك الموصوفون بالصفات الجميلة ، يعطون ثوابهم مضاعفا ، مرة على إيمانهم بكتابهم ، ومرة على إيمانهم بالقرآن ، وفي الحديث : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي 00 ) الحديث
[ بما صبروا ] أي بسبب صبرهم على اتباع الحق ، وتحملهم الأذى في سبيل الله ، قال قتادة : نزلت في أناس من أهل الكتاب ، كانوا على شريعة من الحق ، يأخذون بها وينتهون إليها ، حتى بعث الله محمدا ، فآمنوا به وصدقوه ، فأعطاهم الله أجرهم مرتين بما صبروا ، وذكر أن منهم " سلمان " " وعبد الله بن سلام "
[ ويدرءون بالحسنة السيئة ] أى ويدفعون الكلام القبيح ، كالسب والشتم ، بالحسنة أى بالكلمة الطيبة الجميلة ، قال ابن كثير : لا يقابلون السيئ بمثله ولكن يعفون وبصفحون
[ ومما رزقناهم ينفقون ] أي ومن الذي رزقناهم من الحلال ، ينفقون قي سبيل الخير
[ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ] أى وإذا سمعوا العتم والأذى من الكفار ، وسمعوا ساقط الكلام ، لم يلتفتوا إليه ولم يردوا على أصحابه
[ وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ] أى لنا طريقنا ولكم طريقكم
[ سلام عليكم ] أى سلام متاركة ومباعدة ، قال الزجاج : لم يريدوا التحية ، وإنما أرادوا بيننا وبينكم المتاركة
[ لا نبتغي الجاهلين ] أى لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم ، قال الصاوي : كان المشركون يسبون مؤمنى أهل الكتاب ، ويقولون : تبا لكم أعرضتم عن دينكم وتركتموه ! فيعرضون عنهم ، ويقولون : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم مدحهم تعالى بالإيمان ، ثم مدحهم بالإحسان ، ثم مدحهم بالعفو والصفح عن أهل العدوان ، ثم قال تعالى مخاطبا رسوله :
[ إنك لا تهدى من أحببت ] أى إنك يا محمد لا تقدر على هداية أحد ، مهما بذلت فيه من مجهود ، وجاوزت في السعى كل حد معهود
[ ولكن الله يهدى من يشاء ] أى ولكنه تعالى بقدرته ، يهدي من قدر له الهداية ، فسلم أمرك إليه ، فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاوة
[ وهو أعلم بالمهتدين ] أى هو تعالى العالم بمن فيه استعداد للهداية والإيمان فيهديه ، نزلت في عمه " أبي طالب " حين عرض عليه الإسلام عند موته فأبى ، قال أبو حيان : ومعنى [ إنك لا تهدى من أحببت ] أى لا تقدر على خلق الهداية فيه ، ثم قال : ولا تنافي بين هذا وبين قوله : [ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ] لأن معنى هذا : وإنك لترشد ، وقد أجمع المسلمون على أنها نزلت في " أبي طالب " . . ثم ذكر تعالى شبهة من شبهات المشركين ، ورد عليها بالبيان الواضح فقال سبحانه :
[ وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ] أي وقال كفار قريش : إن اتبعناك يا محمد على دينك ، وتركنا ديننا نخاف أن تتخطفنا العرب ، فيجتمعون على محاربتنا ، ويخرجوننا من أرضنا ، قال المبرد : والتخظف الانتزاع بسرعة ، قال تعالى ردا عليهم :
[ أولم نمكن لهم حرما أمنا ] أى أولم نعصنم دماءهم ، نجعل مكانهم حرما ذا أمن ، بحرمة البيت العتيق ؟ فكيف يكون الحرم أمنا لهم فى حال كفرهم ، ولا يكون أمنا لهم في حال إسلامهم ؟
[ يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ] أى تخلب إليه الأرزاق من كل مكان ، مع أنه بواد غير ذي زرع ، رزقا لهم من عندنا
[ ولكن أكثرهم لا يعلمون ] أى ولكن أكثرهم جهلة ، لا يتفكرون في ذلك ولا يتفطنون ، قال أبو حيان : قطع الله حجتهم بهذا البيان الناصع ، إذ كانوا وهم كفار بالله ، عباد أصنام قد أمنوا في حرمهم ، والناس في غيره يتقاتلون ، وهم مقيمون في بلد غير ذي زرع ، يجيء إليهم ما يحتاجون من الأقوات ، فكيف إذا آمنوا واهتدوا ؟
[ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ] أى وكثير من أهل قرية طغت وكفرت نعمة الله ، فدمر الله عليهم وخرب ديارهم
[ فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ] أى فتلك مساكنهم خاوية بما ظلموا ، لم تسكن من بعد تدميرهم إلا زمانا قليلا ، إذ لا يسكنها إلا المارة والمسافرون ، يوما أو بعض يوم
[ وكنا نحن الوارثين ] أى وكنا نحن الوارثين لأملاكهم وديارهم ، قال في البحر : والآية تخويف لأهل مكة ، من سوء عاقبة قوم ، كانوا في مثل حالهم ، من إنعام الله عليهم بالرقود فى ظلال الأمن ، وخفض العيش ، فكفروا النعمة ، وقابلوها بالأشر والبطر ، فدمرهم الله وخرب ديارهم
[ وما كان ربك مهلك القرى ] أى ما جرت عادة الله جل شأنه أن يهلك أهل القرى الكافرة
[ حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا ] أى حتى يبعث في أصلها وعاصمتها ، رسولا يبلغهم رسالة الله ، لقطع الحجج والمعاذير
[ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ] أى وما كنا لنهلك القرى إلا وقد استحق أهلها الإهلاك ، لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم ببعثة المرسلين ، قال القرطبي : أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم ، وفي هذا بيان لعدله ، وتقدسه عن الظلم ، ولا يهلكهم - مع كونهم ظالمين - إلا بعد تأكيد الحجة ، والإلزام ببعثة الرسل ، ولا يجعل علمه تعالى بأحوالهم حجة عليهم
[ وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ] أى وما أعطيتم أيها الناس من مال وخير ، فهو متاغع قليل تتمتعون به في حياتكم ثم ينقضي ويفنى ، قال ابن كثبر : يخبر تعالى عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة ، والزهرة الفانية ، بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين ، في الدار آلاخرة ، من النعيم العظيم المقيم
[ وما عند الله خير وأبقى ] أى وما عنده من الأجر والثواب ، والنعيم الدائم الباقي ، خير وأفضل من هذا النعيم الزائل
[ أفلا تعقلون ] ؟ توبيخ لهم ، أى أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني ؟ قال الإمام الفخر : بين تعالى أن منافع الدنيا مشوبة بالمضار ، بل المضار فيها أكثر ، ومنافع الآخرة غير منقطعة ، بينما منافع الدنيا منقطعة ، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما ، فكيف ونصيب كل أحد من الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر ، فمن لم يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا يكون كأنه خارج عن حد العقل
[ أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ] أى أفمن وعدناه وعدا قاطعا بالجنة وما فيها من النعيم المقيم الخالد ، فهو لا محالة مدركه ، لأن وعد الله لا يتخلف
[ كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ] ؟ أى كمن متعناه بمتاع زائل ، مشوب بالأكدار ، مملوء بالمتاعب ، مستتبع للحسرة على انقطاعه ؟
[ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ] أى ثم هو في الآخرة من المحضرين للعذاب ، فهل يساوي العاقل بينهما ؟ قال ابن جزي : والآية إيضاح لما قبلها من البون الشاسع بين الدنيا والآخرة ، والمراد بمن وعدناه : المؤمنين ، وبمن متعناه : الكافرين
[ ويوم يناديهم فيقول أى شركائي الذي كنتم تزعمون ] أى وأذكر حا ل المشركين ، يوم يناديهم الله فيقول لهم على سبيل التوبيخ والتقريع : أين هؤلاء الشركاء والآلهة من الأصنام والأنداد ؟ الذين عبدتموهم من دوني ، وزعمتم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم ؟
[ قال الذين حق عليهم القول ] أى قال رؤساؤهم وكبراؤهم ، الذين وجب عليهم العذاب لضلالهم وطغيانهم
[ ربنا هؤلاء الدين أغوينا ] أى هؤلاء أتباعنا الذين أضللناهم عن سبيلك
[ أغويناهم كما غوينا ] أى أضللناهم كما ضللنا ، لا بالقسر والإكراه ، ولكن بطريق الوسوسة وتزيين القبيح ، فضلوا كما ضللنا نحن
[ تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ] أى تبرأنا إليك يا الله من عبادتهم إيانا ، فما كانوا يعبدوننا ، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم
[ وقيل ادعوا شركاءكم ] أى وقيل للكفار : استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لننصركم ، وتدفع عنكم عذاب الله ! ؟ وهذا على سبيل التهكم والسخرية بهم
[ فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ] أى فاستغاثوا بهم ، فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم ، وهذا من سخافة عقولهم
[ ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ] أي وتمنوا حين شاهدوا العذاب ، لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق
[ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ] توبيخ آخر للمشركين ، أى ويوم يناديهم الله ويسألهم : ماذا أجبتم رسلي ؟ هل صدقتموهم أم كذبتموهم ؟
[ فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون ] أى فخفيت عليهم الحجج ، وأظلمت عليهم الأمور ، فلم يعرفوا ما يقولون ، فهم حيارى واجمون ، لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب ، لفرط الدهشة والحيرة
[ فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ] أى فأما من تاب من الشرك ، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح ، فعسى أن يكون من الفائزين بجنات النعيم ، قال الصاوي : والترجى في القرآن بمنزلة التحقق ، لأنه وعد كريم ، من رب رحيم ، ومن شأنه تعالى أنه لا يخلف وعده
[ وربك يخلق ما يشاء ويختار ] أى هو تعالى الخالق المتصرف ، يخلق ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، فلا اعتراض لأحد! على حكمه ، قال مقاتل : نزلت في " الوليد بن المغيرة " حين قال : [ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ]
[ ما كان لهم الخيرة ] أى ما كان لأحد من العباد اختيار ، إنما الاختيار والإرادة لله الواحد القهار
[ سبحان الله وتعالى عما يشركون ] أى تنزه الله العظيم الجليل وتقدس ، أن ينازعه أحد في ملكه ، أو يشاركه في اختياره وحكمته ، قال القرطبي : المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه ، ويختار من يشاء لنبوته ، والخيرة له تعالى في أفعاله ، وهو أعلم بوجوه الحكمة ، فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه
[ وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ] أى هو تعالى العالم بما تخفيه قلوبهم من الكفر والعداوة للرسول والمؤمنين ، وما يظهرونه على ألسنتهم من الطعن في شخص رسوله الكريم ، حيث يقولون : ما أنزل الله الوحي ، إلا على يتيم أبي طالب ! !
[ وهو الله لا إله إلا هو ] أى هو جل وعلا الله المستحق للعبادة ، لا أحد يستحقها إلا هو
[ له الحمد في الأولى والآخرة ] أى له الثناء الكامل في الدنيا والآخرة ، لأنه تعالى المتفضل على العباد ، بالنعم كلها في الدارين
[ وله الحكم ] أى وله القضاء النافذ ، والفصل بين العباد
[ وإليه ترجعون ] أي اليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة ، فيجازي كل عامل بعمله .
البلاغة :
تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي :
1 - التشبيه البليغ [ بصائر للناس ] أى أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس ، حذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغا ، قال في حاشية البيضاوي : أى مشبها بأنوار القلوب ، من حيث إن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها ، لكانت عمياء لا تستبصر ، ولا تعرف حقا من باطل .
2 - المجاز العقلي [ أنشأنا قرونا ] المراد به الأمم أى أنهم يخلقون في تلك الأزمنة فنسب إلى القرون بطريق (المجاز العقلي ) .
3 - جناس الاشتقاق [ تصيبهم مصيبة ] .
4 - المجاز المرسل [ بما قدمت أيديهم ] والمراد بما كسبوا ، وهو من باب (إطلاق الجزء وإرادة الكل ) ، قال الزمخشري : ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي ، جعل كل عمل معبرا عنه باجتراح الأيدى .
5 - حذف الجواب لدلالة السياق [ ولولا أن تصيبهم مصيبة ] حذف منه الجواب وتقديره : ما أرسلناك يا محمد رسولا إليهم ، وهو من باب الإيجاز بالحذف .
6 - التحضيض [ لولا أوتي مثل ما أوتى موسى ] أى هلا أوتي فهي للتحضيض ، وليست حرف امتناع لوجود .
7 - التعجيز [ قل فأتوا بكتاب ] فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز .
8 - طباق السلب [ إنك لا تهدي . . ولكن الله يهدي ] .
9 - المجاز العقلي [ حرما أمنا ] نسب الأمن إلى الحرم وهو لأهله .
10 - أسلوب السخرية والتهكم [ أين شركائي الذين كنتم تزعمون ] ؟ .
11 - التشبيه المرسل [ أغويناهم كما غوينا ] .
12 - الاستعارة التصريحية التبعية [ فعميت عليهم الأنباء ] قال الشهاب : استعير العمى لعدم الإهتداء ، فهم لا يهتدون للأنباء ، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدى إليهم ، وأصله " فعموا عن الأنباء لما وضمن معنى الخفاء فعدي ب [ على ] ففيه أنواع من البلاغة : الاستعارة ، والقلب ، . والتضمين .
13 - الطباق بين [ تكن . . ويعلنون ] وبين [ الأولى . . والآخرة ] وهو من المحسنات آلبديعية .
قال الله تعالى : [ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا . . ] إلى قوله [ له الحكم وإليه ترجعون ] . من آية ( 71) إلى آية (88) نهاية السورة الكريمة .
تنبيه :
مما ذكر أن " أبا طالب " مات على غير الاسلام ، هو الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة ، ونقل عن بعض شيوخ الصوفية أنه أسلم قبل موته ، وهو معارض للنصوص الكريمة ، ولعلهم أخذوه من بعض أشعار أبي طالب حيث يقول : ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد فى التراب دفينا أقول : ماذا يفيده هذا الكلام ، بعد امتناعه عن الدخول في الإسلام ، والنطق بالشهادة وهو يجود بأنفاسه ؟ والنبي (ص) يعرض عليه الإسلام فيمتنع عنه ؟ وفيه نزل قوله تعالى [ ما كان للنبى والدين آمنوا أن يستغفروا للمشتركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ] فقد نزلت في أبي طالب بإتفاق المفسرين ، وهي صريحة في عدم إسلامه .
المناسبة :
لما ذكر تعالى أنه هو الخالق المختار ، وسفه المشركين في عبادتهم لغير الله ، عقبه بذكر بعض الأدلة والبراهين ، الدالة على عظمته وسلطانه ، تذكيرا للعباد بوجوب شكر المنعم ، ثم ذكر قصة (قارون ) وهى قصة الطغيان بالمال ، وما كان من نهايته المشئومة حيث خسف الله له ولكنوزه الأرض ، وهذه هي نتيجة الإستعلاء والغرور والطغيان ! . .
اللغة :
[ سرمدا ] السرمد : الدائم الذي لا ينقطع ، ومنه قوله طرفة : لعمرك ما أمري على بغمة نهاري ولا ليلى عل بسرمد
[ مفاتحه ] جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به ، وأما المفتاح فجمعه مفاتيح .
[ تنوء ] ناء به الحمل اذا أثقله حتى أماله ، قال ذو الرفة : تنوء بأخراها فلأيا قيامها وتمشي الهوينى عن قريب فتبهر
[ العصبة ] الجماعة الكثيرة ومثلها العصابة ، ومنه قوله تعالى :
[ ونحن عصبة ] سميت الجماعة عصبة ، لأن بعضهم يتعصب لبعض ويتقوى به
[ ويكأن ] قال الجوهري : " وفي " كلمة تعجب ، وقد تدخل على " كأن ، فتقول : ويكأن ، وقيل : إنها كلمة تستعمل عند التنبه للخطأ ثم إظهار الندم ، قال الخليل : إن القوم تنبهوا وقالوا نادمين على ما سلف منهم وفي
[ ظهيرا ] معينا ومساعدا.
التفسير :
[ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ] أى قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين من كفار مكة : أخبروني لو جعل الله عليكم الليل ، دائما مستمرا بلا انقطاع ، إلى يوم القيامة
[ من إله غير الله يأتيكم بضياء ] ؟ أى من هو الإله الذي يقدر على أن يأتيكم بالنور ، الذي تستضيئون به فى حياتكم غير الله تعالى ؟
[ أفلا تسمعون ] أى أفلا تسمعون سماع فهم وقبول لتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى ؟
[ قل أرأيتم أن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة ] أى أخبروني لو جعل الله عليكم النهار ، دائما مستمرا بلا انقطاع
[ من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ] أى من هو الإله القادر على أن يأتيكم بليل ، تستريحون فيه من الحركة والنصب غير الله تعالى ؟
[ أفلا تبصرون ] أي أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال ؟ ثم نبه تعالى إلى كمال رحمته بالعباد فقال سبحانه :
[ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ] أى ومن آثار قدرته ، ومظاهر رحمته ، أن خلق لكم الليل والنهار يتعاقبان ، بدقة واحكام
[ لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ] أى لتستريحوا بالليل من نصب الحياة وهمومها وأكدارها ، ولتلتمسوا من رزقه ، بالمعاش والكسب في النهار
[ ولعلكم تشكرون ] أى ولتشكروا ربكم على نعمه الجليلة التي لا تحصى ، ومنها نعمة الليل والنهار ، قال الإمام الفخر : نبه تعالى بهذه الآية على أن الليل والنهار نعمتان ، يتعاقبان على الزمان ، لأن المرء فى الدنيا مضطر إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار ، ولولا الراحة والسكون بالليل ، فلابد منهما في الدنيا ، وأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ، فلا حاجة بهم إلى الليل ، فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات
[ ويوم يناديهم أين شركائي الذين كنتم تزعمون ] هذا نداء آخر على سبيل التوبيخ والتقريع ، لمن عبد مع الله إلها آخر ، يناديهم الله على رءوس الأشهاد : اين شركائي الذين زعمتموهم في الدنيا ؟ ادعوهم لينقذوكم من العذاب ! !
[ ونزعنا من كل أمة شهيدا ] أى أخرجنا من كل أمة شهيدا منهم ، يشهد عليهم بأعمالهم ، وهو نبيهم
[ فقلنا هاتوا برهانكم ] أى هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر ، وهذا إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز
[ فعلموا أن الحق لله ] أى فعلموا حينئذ أن الحق لله ولرسله ، وأنه لا إله إلا هو
[ وضل عنهم ما كانوا يفترون ] أي وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع ، ما كانوا يتخرصونه في الدنيا من الشركاء والأنداد . . ثم ذكر تعالى قصة " قارون " ونتيجة الغرور والطغيان فقال سبحانه :
[ إن قارون كان من قوم موسى ] أى من عشيرته وجماعته ، قال ابن عباس : كان ابن عم موسى
[ فبغى عليهم ] أى تجبر وتكبر على قومه ، واستعلى عليهم ، بسبب ما منحه الله من الكنوز والأموال ، قال الطبري : أى تجاوز حده في الكبر والتجبر عليهم
[ وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ] أى أعطيناه من الأموال الوقيرة ، والكنوز الكثيرة ، ما يثقل على الجماعة أصحاب القوة ، حمل مفاتيح خزائنه لكثرتها وثقلها ، فضلا عن حمل الخزائن والأموال ، والآية تصوير لما كان عليه (قارون ) من كثرة المال والغنى والثراء
[ إذ قال له قومه لا تفرح ] أى لا تأشر ولا تبطر
[ إن الله لا يحب الفرحين ] أى لا يحب البطرين الذين لا يشكرون الله على إنعامه ، ويتكبرون بأموالهم على عباد الله
[ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ] أى اطلب فيما أعطاك الله من الأموال رضى الله ، وذلك بفعل الحسنات والصدقات ، والإنفاق في الطاعات
[ ولا تنس نصيبك من الدنيا ] قال الحسن : أى لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه (( وقيل معناه : لا تضيع عمرك بترك الأعمال الصالحات وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد ، وما قاله الحسن وقتادة أظهر ، وهو اختيار الحافظ ابن كثير ))
[ وأحسن كما أحسن الله إليك ] أى أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك
[ ولا تبغ الفساد في الأرض ] أى لا تطلب بهذا المال البغي والتطاول على الناس ، والإفساد في الأرض بالمعاصي
[ إن الله لا يحب المفسدين ] أي لا يحب من كان مجرما باغيا مفسدا في الأرض
[ قال إنما أوتيته على علم عندي ] لما وعظه قومه بتلك الموعظة ، أجابهم بهذا القول ، على وجه الرد عليهم ، والتكبر عن قبول الموعظة ، والمعنى : إنما أعطيت هذا المال على علم عندي بوجوه المكاسب ، ولولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي ، واستحقاقي له ما أعطاني هذا المال !! قال تعالى ردا عليه :
[ أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ] أى أولم يعلم هذا الأحمق المغرور ، أن الله قد أهلك من قبله من الأمم الخالية ، من هو أقوى منه بدنا وأكثر مالا ؟ ! قال البيضاوي : والآية تعجب وتوبيخ ، على اغتراره بقوته وكثرة ماله ، مع علمه بذلك ، لأنه قرأه في التوراة ، وسمعه من حفاظ التواريخ
[ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ] أي لا حاجة أن يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميتها ، لأنه عالم بكل شيء ، ولا يتوقف إهلاكه إياهم على سؤالهم ، بل متى حق عليهم العذاب ، أهلكهم بغتة . . ثم أشار تعالى إلى أن قارون لم يعتبر بنصيحة قومه ، بل تمادى قي غطرسته وغيه فقال تعالى :
[ فخرج على قومه في زينته ] أى فخرج قارون على قومه في أظهر زينة وأكملها ، قال المفسرون : خرج ذات يوم في زينة عظيمة ، بأتباعه الكثيرين ، ركبانا متحلين بملابس الذهب والحرير ، على خيول موشحة بالذهب ، ومعه الجواري والغلمان ، في موكب حافل باهر
[ قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ] أى فلما رآه ضعفاء الإيمان ، ممن تخدعهم الدنيا ببريقها وزخرفها وزينتها ، قالوا : يا ليت لنا مثل هذا الثراء والغنى ، الذي أعطيه قارون ! !
[ إنه لذو حظ عظيم ] أى ذو نصيب وافر من الدنيا
[ وقال الذين أوتوا العلم ] أى وقال لهم العقلاء من أهل العلم والفهم والاستقامة
[ ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ] أى ارتدعوا وانزجروا عن مثل هذا الكلام ، فإن جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين ، خير مما ترون وتتمنون من حال قارون ، قال الزمخشري : أصل [ ويلك ] الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع ، والبعث على ترك ما لا يرتضى
[ ولا يلقاها إلا الصابرون ] أى ولا يعطى هذه المرتبة والمنزلة في الآخرة ، إلا الصابرون على أمر الله ، قال تعالى تنبيها لنهايته المشئومة
[ فخسفنا به وبداره الأرض ] أى جعلنا الأرض تغور به وبكنوزه ، جزاء على عتوه وبطره
[ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ] أى ما كان له أحد من الأنصار والأعوان ، يدفعون عنه عذاب الله
[ وما كان من المنتصرين ] أى وما كان من المنتصرين بنفسه ، بل كان من الأشقياء الهالكين
[ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ] أى وصار الذين تمنوا منزلته وغناه بالأمس القريب ، بعد أن شاهدوا ما نزل به من الخسف
[ يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ] أى يقولون ندما وأسفا على ما صدر منهم من التمني : اعجبوا أيها القوم من صنع الله ! ! كيف أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده ، لا لكرامته عليه ، ويضيق الرزق على من يشاء - لحكمته وقضائه ابتلاء - لا لهوانه عليه ! ا قال الزمخشري : [ ويكأن ] كلمتان " وى " مفصولة عن " كأن " وهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم ، ومعناه أن القوم تنبهوا على خطئهم ، فى تمنيهم منزلة قارون وتندموا وقالوا :
[ لولا أن من الله علينا ] أى لولا أن الله لطف بنا ، وتفضل علينا بالإيمان والرحمة ، ولم يعطنا ما تمنيناه
[ لخسف بنا ] أى لكان مصيرنا مصير قارون ، وخسف بنا الأرض كما خسفها به
[ ويكأنه لا يفلح الكافرون ] أى اعجبوا أيها القوم من فعل الله ، حيث لا ينجح ولا يفوز بالسعادة الكافرون ، لا في الدنيا ، ولا في الآخرة . . وإلى هنا ننتهي " قصة قارون " وهي قصة الطغيان بالمال ، بعد أن ذكر تعالى قصة الطغيان بالجاه والسلطان ، في قصة فرعون وموسى ، ثم يأتي التعقيب المباشر ، في قوله تعالى :
[ تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ] الإشارة للتفخيم والتعظيم ، أى تلك هي الدار العالية الرفيعة ، التي سمعت خبرها ، وبلغك وصفها ، هي دار النعيم الخالد السرمدي ، التي فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، نجعلها للمتقين الذين لا يريدون التكبر والطغيان ، ولا الظلم والعدوان في هذه الحياة الدنيا
[ والعاقبة للمتقين ] أى العاقبة المحمودة للذين يخشون الله ويراقبونه ، ويبتغون رضوانه ويحذرون عقابه
[ من جاء بالحسنة فله خير منها ] أى من جاء يوم القيامة بحسنة من الحسنات ، فإن الله يضاعفها له أضعافا كثيرة
[ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ] أى ومن جاء يوم القيامة بالسيئات ، فلا يجزى إلا بعملها ، وهذا من فضل الله على عباده ، أنه يضاعف لهم الحسنات ، ولا يضاعف لهم السيئات
[ إن الذي فرض عليك القرآن ] أى إن الذي أنزل عليك يا محمد القرآن ، وفرض عليك العمل به
[ لرادك إلى معاد ] أى لرادك إلى مكة ، كما أخرجك منها ، وهذا وعد من الله بفتح مكة ، ورجوعه عليه السلام إليها ، بعد أن هاجر منها حزينا ، قال ابن عباس : معناه لرادك إلى مكة ، وقال الضحاك : لما خرج النبي (ص) من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة ، فأنزل الله عليه هذه الآية
[ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ] أى قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ربي أعلم بالمهتدي والضال ، هل أنا أو أنتم ؟ فهو جل وعلا الذي يعلم المحسن من المسيء ، ويجازي كلا بعمله ، وهو جواب لقول كفار مكة : إنك يا محمد في ضلال مبين
[ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ] أى وما كنت تطمع أن تنال النبوة ، ولا أن ينزل عليك القرآن ، ولكن رحمك الله بذلك ، ورحم العباد ببعثتك ، قال الفراء : وهذا استثناء منقطع ، والمعنى : إلا أن ربك رحمك فأنزله عليك
[ فلا تكونن ظهيرا للكافرين ] أى لا تكن عونا لهم على دينهم ، ومساعدا لهم على ضلالهم ، بالمداراة والمجاملة ، ولكن نابذهم وخالفهم ، قال المفسرون : دعا المشركون الرسول إلى دين أبائه ، فأمر بالتحرز منهم وأن يصدع بالحق ، والخطاب بهذا وأمثاله له (ص) ، والمراد به أمته ، لئلا يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم
[ ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ] أى ولا تلتفت إلى هؤلاء المشركين ، ولا تركن إلى قولهم ، فيصدوك عن اتباع ما أنزل الله إليك ، من الآيات البينات
[ وادع إلى ربك ] أى وادع الناس إلى توحيد ربك وعبادته
[ ولا تكونن من المشركين ] أى بمسايرتهم على أهوائهم ، فإن من رضي بطريقتهم كان منهم
[ ولا تدع مع الله إلها آخر ] أي لا تعبد إلها سوى الله
[ لا إله إلا هو ] أى لا معبود بحق إلا الله تعالى ، قال البيضاوي : وهذا وما قبله للتهييج ، وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم
[ كل شيء هالك إلا وجهه ] أى كل شيء يفنى ، وتبقى ذاته المقدسة ، أطلق الوجه وأراد ذات الله جل وعلا ، قال ابن كثير : وهذا اخبار بأنه تعالى الدائم الباقي ، الحى القيوم ، الذي تموت الخلائق ولا يموت ، فعبر بالوجه عن الذات كقوله : [ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ]
[ له الحكم وإليه ترجعون ] أى له القضاء النافذ في الخلق ، وإليه مرجعهم جميعا يوم المعاد ، لا إلى أحد سواه ، فيجازيهم على أعمالهم ، ولا يظلم ربك أحدا! !
البلاغة :
تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي :
1 - التبكيت والتوبيخ [ من إله غير الله يأتيكم بضياء ] ؟ ومثله [ يأتيكم بليل ] ؟ .
2 - اللف والنشر المرتب [ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ] جمع الليل والنهار ، لم قال : [ لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ] فأعاد السكن إلى الليل ، والابتغاء لطلب الرزق إلى النهار ، ويسمى هذا عند علماء البديع (اللف والنشر المرتب ، لأن الأول عاد على الأول ، والثانى عاد على الثاني ، وهو من المحسنات البديعية .
3 - جناس الاشتقاق [ لا تفرح . . الفرحين ] ومثله [ الفساد . . والمفسدين ] .
4 - تأكيد الجملة ب [ إن ] و[ اللام ] [ إنه لذو حظ عظيم ] لأن السامع شاك ومتردد .
5 - الكناية [ تمنوا مكانه بالأمر ] كنى عن الزمن الماضي القريب بلفظ الأمس .
6 - الطباق بين [ يبسط الرزق . . ويقدر ] .
7- المقابلة اللطيفة [ من جاء بالحسنة فله خير منها ] [ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى. . ] الآية.
8 - المجاز المرسل [ إلا وجهه ] أطلق الجزء وأراد الكل أى ذاته المقدسة ففيه مجاز مرسل .
لطيفة :
قال بعض العلماء : من لم تشبعه القناعة ، لم يكفه ملك قارون وأنشدوا : هي القناعة لاتبغي بها بدلا فيها النعيم وفيها راحة البدن أنظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن ؟
|